صديق الحسيني القنوجي البخاري
288
فتح البيان في مقاصد القرآن
قال الإمام هذا ذكر لما يتعلق بدنياه بعد ذكر ما يتعلق بدينه ، وثم للاستبعاد لأن من صدر عنه مثل ذلك ينبغي أن يخاف من حلول غضب اللّه به فيمشي خائفا منه متطامنا لا فرحا متبخترا ، ذكره الشهاب . [ سورة القيامة ( 75 ) : الآيات 34 إلى 40 ] أَوْلى لَكَ فَأَوْلى ( 34 ) ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى ( 35 ) أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً ( 36 ) أَ لَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى ( 37 ) ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى ( 38 ) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى ( 39 ) أَ لَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى ( 40 ) أَوْلى لَكَ فيه التفات عن الغيبة ، والكلمة اسم فعل مبنية على السكون لا محل لها من الإعراب ، والفاعل ضمير مستتر يعود على ما يفهم من السياق وهو كون هذه الكلمة تستعمل في الدعاء بالمكروه ، واللام مزيدة والمعنى وليك ما تكرهه فَأَوْلى أي فهو أولى بك من غيرك ، فدلت الأولى على الدعاء عليه بقرب المكروه منه ، ودلت الثانية على الدعاء عليه بأن يكون أقرب إليه من غيره ، هذا ما سلكه الجلال المحلي في تقرير هذا المقام وانفرد به عن غيره من المفسرين وهو حسن جدا . ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى الأولى تأكيد للأولى والثانية تأكيد للثانية ، وقيل أي وليك الويل وأصله أولاك اللّه ما تكرهه واللام مزيدة كما في ردف لكم ، وهذا تهديد شديد ووعيد بعد وعيد ، والتكرير للتأكيد أي يتكرر عليك ذلك مرة بعد مرة . قال الواحدي : قال المفسرون : « أخذ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، بيد أبي جهل فقال أَوْلى لَكَ فَأَوْلى فقال أبو جهل بأي شيء تهددني ؟ لا تستطيع أنت ولا ربك أن تفعلا بي شيئا وإني لأعز أهل هذا الوادي » فنزلت هذه الآية ، وقيل معناه الويل لك وعلى هذا القول قيل هو من المقلوب ، كأنه قيل أويل لك ثم أخر الحرف المعتل ، قيل ومعنى التكرير لهذا اللفظ أربع مرات الويل لك حيا والويل لك ميتا والويل لك يوم البعث والويل لك يوم تدخل النار ، وقيل المعنى أن الذم لك أولى لك من تركه ، وقيل المعنى أنت أولى وأحق وأجدر بهذا العذاب قاله محي السنة ، وقال الأصمعي أولى في كلام العرب معناه مقاربة الهلاك ، قال المبرد كأنه يقول قد وليت الهلاك وقد دانيته ، وأصله من الولي وهو القرب . قال ثعلب : لم يقل أحد في أَوْلى أحسن وأصح مما قاله الأصمعي ، وعن سعيد بن جبير قال : « سألت ابن عباس عن قوله أَوْلى لَكَ فَأَوْلى أشيء قاله رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، لأبي جهل من قبل نفسه أم أمره اللّه به قال بل قاله من قبل نفسه ثم أنزله اللّه » أخرجه النسائي والحاكم وصححه والطبراني وغيرهم . أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً أي مهملا لا يؤمر ولا ينهى ولا يحاسب ولا