صديق الحسيني القنوجي البخاري
289
فتح البيان في مقاصد القرآن
يعاقب ولا يكلف في الدنيا ولا يبعث ولا يجازى ، وقال السدي معناه المهمل ومنه إبل سدى أي ترعى بلا راع ، وقيل المعنى أيحسب أن يترك في قبره كذلك أبدا لا يبعث ، وهو يتضمن تكرير إنكاره للحشر ، والدلالة عليه من حيث إن الحكمة تقتضي الأمر بالمحاسن والنهي عن القبائح ، والتكليف لا يتحقق إلا بالمجازاة وهي قد لا تكون في الدنيا فتكون في الآخرة . أَ لَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى مستأنفة أي ألم يك ذلك الإنسان قطرة من مني تراق وتصب في الرحم ، وسمي المني منيا لإراقته ، والنطفة الماء القليل ، يقال نطف الماء إذا قطر ، قرأ الجمهور ألم يك بالتحتية على إرجاع الضمير إلى الإنسان ، وقرأ الحسن بالفوقية على الالتفات إليه توبيخا له ، وقرأ الجمهور تمنى أيضا بالفوقية على أن الضمير للنطفة ، وقرىء بالتحتية على أن الضمير للمني ، ورويت هذه القراءة عن أبي عمرو واختارها أبو حاتم وفائدته بعد قوله مِنْ مَنِيٍّ الإشارة إلى حقارة حاله كأنه قيل إنه مخلوق من مني الذي يجري على مخرج النجاسة . ثُمَّ كانَ عَلَقَةً أي كان بعد النطفة دما أحمر شديد الحمرة فَخَلَقَ أي فقدر اللّه منها الإنسان بأن جعلها مضغة مخلقة فَسَوَّى أي فعدله وكمل نشأته ونفخ فيه الروح وجعله بشرا سويا فَجَعَلَ مِنْهُ أي حصل من الإنسان وقيل من المني الزَّوْجَيْنِ أي الصنفين من نوع الإنسان ، قال الكرخي أي لا خصوص الفردين وإلا فقد تحمل المرأة بذكرين وأنثى وبالعكس ، ثم بين ذلك فقال الذَّكَرَ وَالْأُنْثى أي الرجل والمرأة يجتمعان تارة وينفرد كل منهما عن الآخر أخرى . أَ لَيْسَ ذلِكَ الفعال الذي أنشأ هذا الخلق البديع وقدر عليه بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى أي يعيد الأجسام بالبعث كما كانت عليه في الدنيا ، فإن الإعادة أهون من الإبداء وأيسر مؤنة منه ، قرأ الجمهور بِقادِرٍ ، وقرأ زيد بن علي ( يقدر ) فعلا مضارعا ، وقرأ الجمهور أيضا يُحْيِيَ بنصبه بأن ، وقرىء بسكونها تخفيفا أو على إجراء الوصل مجرى الوقف كما مرّ في مواضع . عن صالح أبي الخليل قال « كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، إذا قرأ هذه الآية قال سبحانك اللّهم وبلى » ، أخرجه عبد بن حميد وابن الأنباري . وعن البراء بن عازب قال « لما نزلت هذه الآية قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، سبحانك ربي وبلى » أخرجه ابن مردويه . وعن أبي أمامة أنه « سمع رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم يقول عند قراءته لهذه الآية بلى وأنا على ذلك من الشاهدين » أخرجه ابن النجار في تاريخه . وعن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم : « من قرأ منكم