صديق الحسيني القنوجي البخاري
276
فتح البيان في مقاصد القرآن
وجهته ، فكانت النتيجة أن أهل الردة اضطربوا وقالوا لولا أن الخليفة أعد لنا قوة كبرى ما سمح لهذا الجيش أن يذهب إلى غيرنا - وكان النصر حليف المؤمنين . * * * وهناك نكتة أخرى وهي أن القرآن كان حريصا على مواجهة المشركين ومصارحتهم وإعلانهم بأوصافهم كما في الآيات السابقة ولم يسمح بأدنى تردد أو كتمان أو إخفاء مراعاة للظروف ، مع أن هناك آية تقول : وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ [ الأحزاب : 37 ] وهذه الآية نزلت في قصة زيد وزينب ، وخلاصتها أن العرب كانت من عادتها التبني ، وهو أن يتخذ الرجل ولدا من غيره يتبناه ، فإذا كبر الولد وتزوج لا يجوز للرجل الذي تبناه أن يتزوج امرأته إذا طلقها وجاء الإسلام بإبطال هذه العادة ، وكان الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، قد تبنى زيدا في صغره فلما كبر تزوج زيد بزينب بنت جحش وهي من الأشراف وهو دونها في الشرف ، فلم يستقم الحال بينهما فطلقها زيد ، فجاء القرآن يكلف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، أن يتزوج بزينب ليكون هو أول من يبطل هذه العادة ، وكأن الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، تردد بعض الشيء في التنفيذ لما فيه من إتاحة الفرصة للمنافقين أن يلمزوه صلى اللّه عليه وسلم ، ويقولوا إن محمدا تزوج حليلة ولده ، وما هو بولده . فأنت ترى أنه صلى اللّه عليه وسلم ، قد يخفي بعض الأمور الفرعية إلى حين مراعاة للظروف ، أما الشرك وهدمه من جذوره ، وهي وظيفة الرسل الأصلية ، فكان يؤدي دوره فيه بكل صراحة ووضوح . علنية الدعوة في بدئها وهذه الآيات التي سبقت في صدر هذا التعليق تدل على خلاف ما روي بأن الدعوة النبوية قد بدأت سرية ، وتدل بقوة على أنها بدأت علنية ، وكل ما يمكن أن يقال إزاء ما ورد في الأحاديث التي تروي أقوال بعض أصحاب رسول اللّه مثل ما روي عن عمر في قصة إسلامه حيث سأل بعد إسلامه « أنحن على حق أم باطل ؟ فقال له رسول اللّه : بل على حق ، فقال : ففيم التخفي إذا » هو أن النبي صلى اللّه عليه وسلم ، حماية لأصحابه كان يلزم الحذر والتحفظ في الصلاة والاجتماع بهم ، غير أن دعوته للناس كانت وظلت جهرة . وهذا هو المعقول المتسق مع هدف الدعوة وإيمان النبي باللّه ورسالته .