صديق الحسيني القنوجي البخاري

275

فتح البيان في مقاصد القرآن

يتحلى بها والتي استمدها من إيمان قوي عميق متول على مشاعره ، جعله لا يرى إلا عظمة للّه ولا قوة إلا للّه ولا سلطانا إلا للّه ، وجعله يرى كل ما عداه أضعف من أن يخشى ، وأعجز من أن يستطيع له نفعا أو ضرا ، أو يقف أمام دين اللّه ويحول دون الدعوة إليه . ويدرك بهذا ما تحلى به من عظمة الخلق وقوة الجنان وعمق اليقين . ويتبادر من عنف الآيات وقوتها القارعة أن الحكمة الربانية اقتضت أن يكون الرد على أول متصد للنبي صلى اللّه عليه وسلم ، من الزعماء الأقوياء بهذا الأسلوب لتثبيت النبي وأصحابه القلائل الذين آمنوا به ومواجهة الزعيم القوي بقوة وعنف يصدمانه على غير توقع . ولا شك في أن النبي صلى اللّه عليه وسلم ، قد تلا الآيات على أصحابه ، فقوت من روحهم وزادتهم إيمانا ، ووصلت إلى صاحبها وناديه فصعقهم بعنفها وجعلتهم يشعرون بالقوة الروحية التي يستمد منها النبي ، وازداد النبي بهذا وذاك قوة وعزما على الاستمرار في مهمته ، غير مبال بالزعيم القوي وناديه . وقد روى الطبري أن الذي عنته الآيات هو عمرو بن هشام المخزومي الذي عرف في التاريخ الإسلامي بأبي جهل وكان من كبار الزعماء وأشد أعداء النبي صلى اللّه عليه وسلم ، ورسالته والمؤلبين عليه . « وقد روي أنه لما تصدى للنبي صلى اللّه عليه وسلم ، انتهره وأغلظ له وتوعده ، وأنه قال : علام يتوعدني محمد وأنا أكثر أهل الوادي ناديا ؟ وأنه قال : لئن رأيته يصلي ثانية لأطأن عنقه ، وأن النبي صلى اللّه عليه وسلم ، استمر على الصلاة في فناء الكعبة فرآه أبو جهل ولكنه لم يلبث أن نكص على عقبيه رافعا يديه كأنما يقي بهما نفسه فقيل له ما لك ؟ فقال إن بيني وبينه خندقا من نار ، وقد اسود ما بيني وبينه من الكتائب » . على أن جملة فَلْيَدْعُ نادِيَهُ تسوغ القول إن أبا جهل لم يكن وحيدا في موقفه من النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وهو ما تدل عليه الآيات التي نزلت بعد هذه الآيات في مناسبات عديدة مبكرة . وليس بعيدا أن يكون تعبير « ناديه » قد عنى دار الندوة التي كان يجتمع فيها أهل الحل والعقد في مكة الذين هم رؤساء الأسر القرشية البارزة ، وقد كانت هذه الدار قرب الكعبة . فإذا صح هذا فإن من السائغ أن يقال إن السلطات الرسمية قد رأت في صلاة النبي صلى اللّه عليه وسلم ، علنا بصلاة جديدة لا عهد للناس بها وفي دعوته الناس جهارا إلى دين يخالف ما عليه الناس بدعة ، ورأت وجوب الوقوف في وجهها ، وأنها عمدت إلى أعضائها بتنفيذ ذلك ، أو أن هذا العضو كان أشد حماسا ضدها من غيره فكان هو المتصدي اه . ومنطق القوة هذا يذكرنا بموقف لخليفة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، في بدء توليه الخلافة فقد ارتد كثير من العرب بعد موت النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وكان هناك جيش أعده النبي قبل وفاته ، فرأى بعض الصحابة أن لا يمضي هذا الجيش إلى وجهته ، وأن يبقى لتأديب أهل الردة ، ولكن الخليفة الراشد أبى ، وأصر على أن يمضي الجيش الذي أمر به النبي إلى