صديق الحسيني القنوجي البخاري

274

فتح البيان في مقاصد القرآن

المنذر وابن أبي حاتم وابن عدي وصححه وابن مردويه ، وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة وابن عمر وابن عباس مرفوعا نحوه . تعليق هام للناشر : إبراز حقيقة قرآنية هذه سورة « المدثر » وهي مكية من أوائل ما نزل من القرآن ، وقد ختمها بقوله : 1 - فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ [ المدثر : 49 - 51 ] . . . الخ كما ختم سورة اقْرَأْ وهي أول سورة نزلت بقوله : 2 - كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ فَلْيَدْعُ نادِيَهُ سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ [ العلق : 15 - 18 ] . كما نزلت سورة بأسرها تقول : 3 - تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ [ المسد : 1 - 5 ] . كذلك جاء في سورة المزمل وهي كذلك من أوائل ما نزل : 4 - وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالًا وَجَحِيماً . وَطَعاماً ذا غُصَّةٍ وَعَذاباً أَلِيماً يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ وَكانَتِ الْجِبالُ كَثِيباً مَهِيلًا [ المزمل : 11 - 14 ] . إذا تأملت هذه الآيات وكلها سب وتسفيه وتهديد للمشركين وزعمائهم ، مع ملاحظة أنها من أوائل ما نزل ، برزت لك حقيقة قرآنية عجيبة ، هي أن القرآن يدعو إلى مواجهة خصومه بكل شدة وعنف ، فلا هوادة ولا خنوع ، مهما كانت الظروف ، فهذه الآيات صرح بها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، في الأيام الأولى ولم يكن معه من يغني عنه فتيلا ، في الوقت الذي تمالأ عليه الشرك وأهله لمحوه من الوجود . ولم أر من المفسرين للقرآن من أدرك هذه النقطة غير صاحب التفسير الحديث حيث يقول تعليقا على آيات سورة اقرأ كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ [ العلق : 15 ] : والتهديد والتحدي والإنذار والتنديد بالطاغية قوي كل القوة عنيف كل العنف . وتبدو روعة هذه القوة حينما يلاحظ أن النبي عليه السلام لم يكن قد آمن به من يستطيع له نصرا ويقف إلى جانبه ، وأن المتصدي له زعيم معتد بقوته وماله وجاهه وناديه . وإذ يتصور المرء النبي صلى اللّه عليه وسلم ، يصرخ بملء فيه صرخته المدوية « كلا ، كلا » ثم يقذف بكلمات التنديد والتهديد والتحدي والإنذار القرآنية النارية غير مبال بالزعامة وقوتها ، وهو من دون نصير من الناس ، يدرك من دون ريب تلك الشجاعة التي كان