صديق الحسيني القنوجي البخاري

261

فتح البيان في مقاصد القرآن

يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ [ الفرقان : 68 ، 69 ] أو الجزم لإجراء الوصل مجرى الوقف . وقد اعترض على قراءة الجزم لأن قوله تَسْتَكْثِرُ لا يصح أن يكون بدلا من تمنن ، لأن المن غير الاستكثار ، ولا يصح أن يكون جوابا للنهي ، والمن الإنعام وبابه رد . واختلف السلف في معنى الآية فقيل المعنى لا تنعم بشيء مستكثرا أي طالبا للكثرة ، كارها أن ينقص المال بسبب العطاء فيكون الاستكثار هنا عبارة عن طلب العوض كيف كان ، وقيل المعنى لا تمنن على ربك بما تتحمله من أعباء الرسالة والنبوة كالذي يستكثر ما يتحمله بسبب الغير ، وقيل لا تعط عطية تلتمس فيها أكثر منها قاله عكرمة وقتادة ، وقال ابن عباس لا تعط تلتمس بها أفضل منها وعنه قال لا تعط الرجل عطاء رجاء أن يعطيك أكثر منه ، قال الضحاك هذا حرمه اللّه على رسوله لأنه مأمور بأشرف الآداب وأجل الأخلاق ، وأباحه لأمته ، وقال مجاهد لا تضعف أن تستكثر من الخير من قولك حبل متين إذا كان ضعيفا ، وقال الربيع بن أنس لا يعظم عملك في عينك أن تستكثر من الخير . وقال ابن كيسان لا تستكثر عملا فتراه من نفسك إنما عملك منة من اللّه عليك إذ جعل لك سبيلا إلى عبادته ، وقيل لا تمنن بالنبوة والقرآن على الناس فتأخذ منهم أجرا تستكثره ، وقال محمد بن كعب لا تعط مالك مصانعة وقال زيد بن أسلم إذا أعطيت عطية فأعطها لربك . وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ على طاعته وفرائضه ، والمعنى لأجل ربك وثوابه ، وقال مقاتل ومجاهد اصبر على الأذى والتكذيب ، وقال ابن زيد حملت أمرا عظيما فحاربتك العرب والعجم فاصبر عليه للّه ، وقيل اصبر تحت موارد القضاء للّه ، وقيل فاصبر على البلوى وقيل على الأوامر والنواهي . فَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ فاعول من النقر كأنه من شأن أن ينقر فيه للتصويت ، والنقر في كلام العرب الصوت ويقولون نقر باسم الرجل إذا دعاه ، والمراد هنا النفخ في الصور ، والمراد النفخة الثانية وقيل الأولى ، وقد تقدم الكلام على هذا في سورة الأنعام وسورة النحل ، والفاء للسببية كأنه قيل اصبر على أذاهم فبين أيديهم يوم هائل يلقون فيه عاقبة أمرهم . قال ابن عباس : الناقور الصور أي القرن الذي هو مستطيل وفيه ثقب بعدد الأرواح كلها وتجمع الأرواح في تلك الثقب ، فيخرج من كل ثقبة روح إلى الجسد الذي نزعت منه فيعود الجسد حيا بإذن اللّه تعالى كما مر غير مرة ، والعامل في « إذا » ما دل عليه قوله الآتي : فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ الخ فإن معناه عسر الأمر عليهم ، وقيل العامل فيه ما دل عليه قوله : فَذلِكَ لأنه إشارة إلى النقر أي وقت النقر وهو النفخة يوم