صديق الحسيني القنوجي البخاري

259

فتح البيان في مقاصد القرآن

ما حدثنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « جاورت بحراء فلما قضيت جواري هبطت فنوديت فنظرت عن يميني فلم أر شيئا ، ونظرت عن شمالي فلم أر شيئا ، ونظرت خلفي فلم أر شيئا فرفعت رأسي فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض ، فجئثت منه رعبا فرجعت فقلت دثروني فنزلت يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ إلى قوله وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ » « 1 » وعن ابن عباس قال دثر هذا الأمر فقم به ، وعنه قال المدثر النائم ، وسيأتي في سورة اقرأ ما يدل على أنها أول سورة أنزلت ، والجمع ممكن . قال الخطيب اختلف في أول ما نزل من القرآن اختلافا طويلا ، وتحقيق المعتمد منه وطريق الجمع بين الأحاديث المتناقضة فيه أن أول ما نزل على الإطلاق اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ إلى ما لَمْ يَعْلَمْ ، وأول ما نزل بعد فترة الوحي يا أيها المدثر إلى فاهجر ، وفي صدر حاشية سليمان الجمل استيفاء الكلام على ترتيب القرآن نزولا نقلا عن الخازن فراجعه إن شئت . قُمْ فَأَنْذِرْ أي انهض فخوف أهل مكة وحذرهم العذاب إن لم يسلموا ، أو قم من مضجعك واترك الدثر بالثياب واشتغل بهذا المنصب الذي نصبك اللّه له وهو الإنذار ، أو قم قيام عزم وتصميم ، وقيل الإنذار هنا هو اعلامهم بنبوته ، وقيل إعلامهم بالتوحيد ، وقال الفراء المعنى قم فصل وأمر بالصلاة . وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ أي واختص سيدك ومالكك ومصلح أمورك بالتكبير ، وهو وصفه سبحانه بالكبرياء والعظمة عقدا وقولا ، وأنه أكبر من أن يكون له شريك كما يعتقده الكفار ، وأعظم من أن تكون له صاحبة أو ولد ، قال ابن العربي المراد به تكبير التقديس والتنزيه لخلع الأضداد والأنداد والأصنام ، ولا تتخذ وليا غيره ، ولا تعبد سواه ، ولا ترى لغيره فعلا إلا له ولا نعمة إلا منه . قال الزجاج إن الفاء في فَكَبِّرْ دخلت على معنى الجزاء كما دخلت في قوله فأنذر ، وقال ابن جني هو كقولك زيدا فاضرب أي زيدا اضرب فالفاء زائدة وعبارة الكرخي دخلت الفاء لمعنى الشرط كأنه قيل وأياما كان فلا تدع تكبيره . وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ المراد بها الثياب الملبوسة على ما هو المعنى اللغوي أمره اللّه سبحانه بتطهير ثيابه وحفظها عن النجاسات وإزالة ما وقع فيها منها ، وقال مجاهد وابن زيد وأبو رزين أي عملك فأصلح وقال قتادة نفسك فطهر من الذنب ، والثياب عبارة عن النفس ، وقال سعيد بن جبير قلبك فطهر ، وقال الحسن والقرطبي أخلاقك فطهر ، لأن خلق الإنسان مشتمل على أحواله اشتمال ثيابه على نفسه .

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في تفسير سورة 74 ، باب 1 - 3 ، ومسلم في الإيمان حديث 257 ، وأحمد في المسند 3 / 306 ، 392 .