صديق الحسيني القنوجي البخاري
256
فتح البيان في مقاصد القرآن
غيرها فارتفع بهذا وجوب قيام الليل وصلاته على الأمة كما ارتفع وجوب ذلك على النبي صلى اللّه عليه وسلم بقوله : وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ [ الإسراء : 79 ] قال الواحدي قال المفسرون في قوله : فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ كان هذا في صدر الإسلام ثم نسخ بالصلوات الخمس عن المؤمنين وثبت على النبي صلى اللّه عليه وسلم خاصة ، وذلك قوله : وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ . قلت فيه نظر لأن وجوب الصلوات الخمس لا ينافي وجوب قيام الليل ، وشرط الناسخ أن يكون حكمه منافيا ومعارضا لحكم المنسوخ كوجوب العدة بحول مع وجوبها بأربعة أشهر فليتأمل ، فالصواب أن يكون النسخ بغير ذلك كالحديث الذي قدمنا . ثم ذكر سبحانه عذرهم فقال : عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى فلا يطيقون قيام الليل ويشق عليهم ذلك ، وقال الحفناوي هذا استئناف مبين لحكمة أخرى ، فالحكمة الأولى هي قوله : عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ والثانية هي قوله : عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ الخ . وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ أي يسافرون فيها للتجارة والأرباح يطلبون من رزق اللّه ما يحتاجونه إليه في معاشهم فلا يطيقون قيام الليل وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يعني الغزاة والمجاهدين فلا يطيقون قيام الليل ، قال النسفي : سوى سبحانه وتعالى في هذه الآية بين درجة المجاهد والمكتسب ، لأن كسب الحلال جهاد . قال ابن مسعود أيما رجل جلب شيئا إلى مدينة من مدائن المسلمين صابرا محتسبا فباعه بسعر يومه كان عند اللّه من الشهداء ثم قرأ هذه الآية ، وقال ابن عمر ما خلق اللّه موتة أموتها بعد القتل في سبيل اللّه أحب إليّ من أن أموت بين شعبتي رحل أضرب في الأرض ابتغي من فضل اللّه ، وقال طاوس الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل اللّه . ثم لما ذكر سبحانه ههنا ثلاثة أسباب مقتضية للترخيص ورفع وجوب القيام فرفعه عن جميع الأمة لأجل هذه الأعذار التي تنوب بعضهم ، ذكر ما يفعلونه بعد هذا الترخيص فقال : فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ وقد تقدم تفسيره قريبا والتكرير للتأكيد وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ يعني المفروضة وهي الخمس لوقتها وَآتُوا الزَّكاةَ يعني الواجبة في الأموال ، وقال الحرث العكلي صدقة الفطر لأن زكاة الأموال وجبت بعد ذلك ، وقيل صدقة التطوع ، وقيل كل أفعال الخير . وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً أي أنفقوا ما سوى المفروض في سبل الخير من أموالكم إنفاقا حسنا عن طيب قلب ، وإنما أضافه إلى نفسه لئلا يمن على الفقير فيما