صديق الحسيني القنوجي البخاري
252
فتح البيان في مقاصد القرآن
لأنهم كانوا جيران اليهود ، والمعنى إنا أرسلنا إليكم رسولا فعصيتموه كما أرسلنا إلى فرعون رسولا فعصاه . فَأَخَذْناهُ أَخْذاً وَبِيلًا أي شديدا ثقيلا غليظا ، ومنه قيل للمطر وابل ، وقال الأخفش شديدا ، وبه قال ابن عباس ، والمعنى متقارب ، ومنه طعام وبيل إذا كان لا يستمرأ . [ سورة المزمل ( 73 ) : الآيات 17 إلى 18 ] فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً ( 17 ) السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً ( 18 ) فَكَيْفَ تَتَّقُونَ أي فكيف تتقون أنفسكم وتوجدون الوقاية التي تقي أنفسكم ، والمعنى لا سبيل لكم إلى التقوى إذا رأيتم القيامة ، وقيل معناه فكيف تتقون العذاب يوم القيامة إِنْ كَفَرْتُمْ أي إذا بقيتم على كفركم في الدنيا يَوْماً أي عذاب يوم . يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً لشدة هوله أي يصير الولدان شيوخا شمطا ، والشيب جمع أشيب ، وهذا يجوز أن يكون حقيقة وأنهم يصيرون كذلك ، أو تمثيلا لأن من شاهد الهول العظيم تقاصرت قواه وضعفت أعضاؤه وصار كالشيخ في الضعف وسقوط القوة ، قال الشاعر : والهم يخترم الجسيم نحافة * ويشيب ناصية الصبى ويهرم قال في المصباح والشيب ابيضاض الشعر المسود وشيب الحزن رأسه وبرأسه بالتشديد وأشابه بالألف وأشاب به فشاب في المطاوع انتهى . وفي القاموس الشيب الشعر وبياضه كالمشيب وهو أشيب ، ولا فعلاء له أي لا يقال امرأة شيباء كما في المصباح ، وقوم شيب وشيب بضمتين ، وقيل يحتمل أن يكون المراد وصف ذلك اليوم بالطول وأن الأطفال يبلغون منه الشيخوخة والشيب ، والأول أولى . وفي هذا توبيخ لهم شديد وتقريع عظيم . قال الحسن أي كيف تتقون يوما يجعل الولدان شيبا إن كفرتم وكذا قرأ ابن مسعود وعطية ، ويوما مفعول به لتتقون ، قال ابن الأنباري : ومنهم من نصب اليوم بكفرتم ، وهذا قبيح ، والولدان الصبيان . وعن ابن عباس « أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قرأ يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً قال ذلك يوم القيامة . وذلك يوم يقول اللّه لآدم قم فابعث من ذريتك بعثا إلى النار ، قال من كم يا رب ؟ قال من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين وينجو واحد ، فاشتد ذلك على المسلمين فقال حين أبصر ذلك في وجوههم إن بني آدم كثير ، وأن يأجوج ومأجوج من ولد آدم إنه لا يموت رجل منهم حتى يرثه لصلبه ألف رجل ففيهم وفي أشباههم جنة لكم »