صديق الحسيني القنوجي البخاري
253
فتح البيان في مقاصد القرآن
أخرجه الطبراني وابن مردويه ، وأخرج ابن المنذر عن ابن مسعود بأخصر منه . ثم زاد سبحانه في وصف ذلك اليوم بالشدة فقال : السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ أي منشقة به لشدته وعظيم هوله ، فما ظنك بغيرها من الخلائق ، والجملة صفة أخرى ليوم والباء سببية ، وجوز الزمخشري أن تكون للاستعانة فإنه قال والباء في « به » مثلها في قولك فطرت العود بالقدوم فانفطر به ، وقال القرطبي إنها بمعنى « في » أي منفطر فيه وهو ظاهر ، وقيل بمعنى اللام أي منفطر له ، وإنما قال منفطر ولم يقل منفطرة لتنزيل السماء منزلة شيء لكونها قد تغيرت ولم يبق منها إلا ما يعبر عنه بالشيء . وقال أبو عمرو بن العلاء : لم يقل منفطرة لأن مجازها السقف ، فيكون هذا كما في قوله : وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً [ الأنبياء : 32 ] وقال الفراء : السماء تذكر وتؤنث ، وقال أبو علي الفارسي : هو من باب الجراد المنتشر ، والشجر الأخضر و أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ [ القمر : 20 ] وقال أيضا أي السماء ذات انفطار كقولهم امرأة مرضع ، أي ذات إرضاع على طريق النسب . وانفطارها لنزول الملائكة قال : إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ وقوله : السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ [ الشورى : 5 ] وقيل منفطر به أي باللّه والمراد بأمره ، والأول أولى ، وقال ابن عباس : منفطر به ممتلئة بلسان الحبشة وعنه قال مثقلة موقرة ، وعنه قال يعني تشقق السماء . كانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا أي كان وعد اللّه بما وعد به من البعث والحساب وغير ذلك كائنا لا محالة ، والمصدر مضاف إلى فاعله ، أو وكان وعد اليوم مفعولا فالمصدر مضاف إلى مفعوله ، ومعنى مفعولا أنه مقضي نافذ لا يرد على حد مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ * قال مقاتل كان وعده أن يظهر دينه على الدين كله . [ سورة المزمل ( 73 ) : الآيات 19 إلى 20 ] إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً ( 19 ) إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 20 ) إِنَّ هذِهِ أي ما تقدم من الآيات تَذْكِرَةٌ أي موعظة ، وقيل الإشارة إلى جميع آيات القرآن لا إلى ما في هذه السورة فقط فَمَنْ شاءَ النجاة اتَّخَذَ بالطاعة التي هي أهم أنواعها التوحيد إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا أي طريقا توصله إلى الجنة ، وقال القرطبي أي من أراد أن يؤمن ويتخذ بذلك إلى ربه سبيلا أي طريقا إلى رضاه ورحمته فليرغب فقد أمكن له لأنه أظهر له الحجج والدلائل .