صديق الحسيني القنوجي البخاري

251

فتح البيان في مقاصد القرآن

إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالًا وما بعده فإنه وعيد لهم بعذاب الآخرة ، والأنكال جمع نكل وهو القيد كما قال الحسن ومجاهد وغيرهما ، قال ابن مسعود : أنكالا قيودا ، وقال الكلبي : الأنكال : الأغلال من حديد ، والأول أعرف في اللغة ، وقال مقاتل : هي أنواع العذاب الشديد ، وقال أبو عمران الجوني هي قيود لا تحل . وَجَحِيماً أي نارا مؤججة محرقة وَطَعاماً ذا غُصَّةٍ أي لا يسوغ في الحلق بل ينشب فيه فلا ينزل ولا يخرج ، قال ابن عباس : هو شجرة الزقوم ، وبه قال مجاهد ، وقال الزجاج : هو الضريع كما قال تعالى : لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ [ الغاشية : 6 ] وقال : هو شوك العوسج ، قال عكرمة : هو شوك يأخذ بالحلق لا يدخل ولا يخرج والغصة الشجى في الحلق وهو ما ينشب فيه من عظم أو غيره وجمعها غصص وَعَذاباً أَلِيماً أي ونوعا آخر من العذاب غير ما ذكر وجعا يخلص وجعه إلى القلب . يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ انتصاب الظرف إما بذرني أو بالاستقرار المتعلق به لدينا أو هو صفة لعذاب فيتعلق بمحذوف أي عذابا واقعا يوم ترجف ، أو متعلق بأليم ، قرأ الجمهور ترجف بفتح التاء وضم الجيم مبنيا للفاعل ، وقرىء مبنيا للمفعول مأخوذ أرجفها ، والمعنى تتحرك وتتزلزل وتضطرب بمن عليها وهو يوم القيامة ، والرجفة والزلزلة والرعدة الشديدة . وَكانَتِ الْجِبالُ أي وتكون الجبال التي هي مراسي الأرض وأوتادها كَثِيباً مَهِيلًا وإنما عبر عنه بالماضي لتحقق وقوعه ، والكثيب الرمل المجتمع من كثب الشيء إذا جمعه ، كأنه فعيل بمعنى مفعول ، والمهيل الذي يمر تحت الأرجل ، قال الواحدي : أي رملا سائلا يقال لكل شيء أرسلته إرسالا من تراب أو طعام أهلته هيلا ، قال الضحاك والكلبي : المهيل الذي إذا وطئته بالقدم زل من تحتها ، وإذا أخذت أسفله انهال . وقال ابن عباس : المهيل الذي إذا أخذت منه شيئا تبعك آخره ، وعنه قال المهيل الرمل السائل . إِنَّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شاهِداً عَلَيْكُمْ الخطاب لأهل مكة أو لكفار قريش أو لجميع الكفار ففيه التفات من الغيبة في قوله : وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وقوله : وَالْمُكَذِّبِينَ والرسول محمد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم والمعنى يشهد عليكم يوم القيامة بأعمالكم . كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا يعني موسى فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ الذي أرسلناه إليه وكذبه ولم يؤمن بما جاء به ، والنكرة إذا أعيدت معرفة كان الثاني عين الأول ، وإنما خص موسى وفرعون بالذكر لأن خبرهما كان منتشرا بين أهل مكة ،