صديق الحسيني القنوجي البخاري
248
فتح البيان في مقاصد القرآن
هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً قرأ الجمهور بفتح الواو وسكون الطاء مقصورة واختارها أبو حاتم وقرىء بكسر الواو وفتح الطاء ممدودة واختار هذه الفراء وأبو عبيدة ، فالمعنى على الأولى أن الصلاة ناشئة الليل أثقل على المصلي من صلاة النهار ، لأن الليل للنوم ، قال ابن قتيبة المعنى أنها أثقل على المصلي من ساعات النهار من قول العرب اشتدت على القوم وطأة السلطان إذا ثقل عليهم ما يلزمهم منه ، ومنه قوله صلى اللّه عليه وسلم : « اللهم اشدد وطأتك على مضر » « 1 » . والمعنى على القراءة الثانية أنها أشد مواطأة أي موافقة السمع للقلب على تفهم القرآن من قولهم واطأت فلانا على كذا مواطأة ووطاء إذا وافقته عليه ، قال مجاهد وابن أبي مليكة : أي أشد موافقة بين القلب والسمع والبصر واللسان ، لانقطاع الأصوات والحركات فيها ، ومنه لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ [ التوبة : 37 ] أي ليوافقوا ، وقال الأخفش : أشد قياما ، وقال الفراء : أي أثبت للعمل وأدوم لمن أراد الاستكثار من العبادة ، والليل وقت الفراغ عن الاشتغال بالمعاش ، فعبادته تدوم ولا تنقطع ، وقال الكلبي أشد نشاطا . وَأَقْوَمُ قِيلًا أي أبين قولا ، وأسد مقالا ، وأثبت قراءة وأصح قولا من النهار لحضور القلب فيها وهدو الأصوات وسكونها ، وأشد استقامة واستمرارا على الصواب ، لأن الأصوات فيها هادئة والدنيا ساكنة ، فلا يضطرب على المصلي ما يقرأه ، قال قتادة ومجاهد : أي أصوب للقراءة وأثبت للقول لأنه زمان التفهم ، قال أبو علي الفارسي : أقوم قيلا أي أشد استقامة بفراغ البال بالليل ، قال الكلبي : أي أبين قولا بالقرآن ، وقال عكرمة : أي أتم نشاطا وإخلاصا وأكثر بركة ، وقال ابن زيد : أجدر أن يتفقه في القرآن وقيل أعجل إجابة للدعاء . إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلًا قرأ الجمهور بالحاء المهملة أي تصرفا في حوائجك وأشغالك وإقبالا وإدبارا وذهابا ومجيئا ، والسبح الجري والدوران ومنه السباحة في الماء لتقلبه بيديه ورجليه ، وفرس سابح أي شديد الجري ، وقد استعير من السباحة في الماء للتصرف في الحوائج ، وقيل السبح الفراغ أي أن لك فراغا بالنهار للحاجات فصل بالليل .
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الأذان باب 128 ، والاستسقاء باب 2 ، والجهاد باب 98 ، والأنبياء باب 19 ، وتفسير سورة 3 ، باب 9 ، وسورة 4 ، باب 21 ، والأدب باب 110 ، والإكراه ، في المقدمة ، ومسلم في المساجد حديث 294 ، 295 ، وأبو داود في الصلاة باب 216 ، والوتر باب 10 ، والنسائي في التطبيق باب 27 ، وابن ماجة في الإقامة باب 145 ، وأحمد في المسند 2 / 239 ، 255 ، 271 ، 418 ، 470 ، 502 ، 521 .