صديق الحسيني القنوجي البخاري
237
فتح البيان في مقاصد القرآن
بين يديه ومن خلفه حفظة يحفظونه من شر مردة الجن والإنس ، ويدل على أنه ليس المراد أنه لا يطلع أحدا على شيء من المغيبات إلا الرسل أنه ثبت كما يقارب التواتر أن شقا وسطيحا كانا كاهنين وقد عرفا بحديث النبي صلى اللّه عليه وسلم قبل ظهوره ، وكانا مشهورين بهذا العلم عند العرب حتى رجع إليهما كسرى ، فثبت أن اللّه قد يطلع غير الرسل على شيء من المغيبات . وأيضا أطبق أهل الملل على أن معبر الرؤيا يخبر عن أمور مستقبلة ويكون صادقا فيها ، وأيضا قد نقل السلطان سنجر بن ملك شاه كاهنة من بغداد إلى خراسان وسألها عن أمور مستقبلة فأخبرته بها فوقعت على وفق كلامها ، قال وأخبرني ناس محققون في علم الكلام والحكمة أنها أخبرت عن أمور غائبة بالتفصيل فكانت على وفق خبرها ، وبالغ أبو البركات في كتاب المعتبر في شرح حالها ، وقال فحصت عن حالها ثلاثين سنة فتحققت أنها كانت تخبر عن المغيبات إخبارا مطابقا ، وأيضا فإنا نشاهد ذلك في أصحاب الإلهامات الصادقة ، وقد يوجد ذلك في السحرة أيضا ، وقد نرى الأحكام النجومية مطابقة وإن كانت قد تتخلف ، فلو قلنا إن القرآن يدل على خلاف هذه الأمور المحسوسة لتطرق الطعن إلى القرآن فيكون التأويل ما ذكرنا انتهى كلامه بمعناه . قال محمد بن علي الشوكاني : أما قوله : إذ لا صيغة عموم في غيبه ، فباطل فإن إضافة المصدر واسم الجنس من صيغ العموم كما صرح به أئمة الأصول وغيرهم ، وأما قوله : أو هو استثناء منقطع ، فمجرد دعوى يأباه النظم القرآني ، وأما قوله : إن شقا وسطيحا الخ فقد كانا في زمن تسترق فيه الشياطين السمع ويلقون ما يسمعونه إلى الكهان فيخلطون الصدق بالكذب ، كما ثبت في الحديث الصحيح ، وفي قوله : إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ [ الصافات : 10 ] ونحوها من الآيات ، فباب الكهانة قد ورد بيانه في هذه الشريعة وإنه كان طريقا لبعض الغيب بواسطة استراق الشياطين حتى منعوا ذلك بالبعثة المحمدية على صاحبها الصلاة والسلام والتحية ، وقالوا : وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً [ الجن : 8 ، 9 ] فباب الكهانة في الوقت الذي كانت فيه مخصوص بأدلته ، فهو من جملة ما يخصص به هذا العموم ، فلا يرد ما زعمه من إيراد الكهانة على هذه الآية . وأما حديث المرأة الذي أورده فحديث خرافة ، ولو سلم وقوع شيء مما حكاه عنها من الأخبار لكان من باب ما ورد في الحديث « إن في هذه الأمة محدثين وإن منهم عمر » « 1 » فيكون كالتخصيص لعموم هذه الآية لا نقضا ، وأما ما اجترأ به على اللّه وعلى
--> ( 1 ) لفظ الحديث في الصحيحين ، وسنن الترمذي ، ومسند أحمد : « لقد كان فيما قبلكم من الأمم -