صديق الحسيني القنوجي البخاري
229
فتح البيان في مقاصد القرآن
كُنَّا طَرائِقَ قِدَداً أي جماعات متفرقة وفرقا شتى ، وأصنافا مختلفة وذوي مذاهب متفاوتة ، والقدة القطعة من الشيء وصار القوم قددا إذا تفرقت أحوالهم ، واستعمال القدد في الفرق مجاز ، والمعنى كنا ذوي طرائق قددا أو كانت طرائقنا طرقا قددا أو كنا مثل طرائق قددا أو كنا في اختلاف أحوالنا مثل الطرائق المختلفة : وقال السدي والضحاك : أديانا مختلفة ، وقال قتادة : أهواء متباينة ، وقال ابن عباس : أهواء شتى . وقال سعيد بن المسيب : كانوا مسلمين ويهودا ونصارى ومجوسا ، وكذا قال مجاهد : قال الحسن : الجن أمثالكم قدرية ومرجئة وخوارج ورافضة وشيعة وسنية وكذا قال السدي . وَأَنَّا ظَنَنَّا الظن هنا بمعنى العلم واليقين أي وأنا علمنا وتيقنا بالتفكر والاستدلال في آيات اللّه أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ أينما كنا فيها ولن نفوته بهرب ولا غيره إن أراد بنا أمرا وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَباً مصدر في موضع الحال أي ولن نعجزه هاربين منها إلى السماء . وهذه صفة الجن وما هم عليه من أحوالهم وعقائدهم . وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدى يعنون القرآن آمَنَّا بِهِ وصدقنا أنه من عند اللّه ولم نكذب به كما كذبت به كفرة الإنس فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْساً وَلا رَهَقاً أي لا يخاف نقصا في عمله وثوابه ولا ظلما ومكروها يغشاه ، والبخس النقصان ، والرهق والعدوان والطغيان ، والمعنى لا يخاف أن ينقص من حسناته ولا أن يزاد في سيئآته ، وقد تقدم تحقيق الرهق قريبا ، قرأ الجمهور بخسا بسكون الخاء ، وقرىء بفتحها وقرىء فلا يخف جزما على جواب الشرط ، ولا وجه لهذا بعد دخول الفاء والتقدير فهو لا يخاف ، والأمر ظاهر ، وفي الآية دليل على أن العمل ليس من الإيمان ، قاله النسفي . وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وهم الذين آمنوا بالنبي صلى اللّه عليه وسلم وَمِنَّا الْقاسِطُونَ أي الجائرون الكافرون الظالمون الذين حادوا عن طريق الحق . ومالوا إلى طريق الباطل ، يقال قسط إذا جار وأقسط إذا عدل قال ابن عباس القاسطون العادلون عن الحق . وعن سعيد بن جبير أن الحجاج قال له حين أراد قتله ما تقول فيّ قال قاسط عادل فقال القوم ما أحسن ما قال ، حسبوا أنه يصفه بالقسط والعدل قال الحجاج يا جهلة إنه سماني ظالما مشركا ، وتلا لهم قوله تعالى : وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً [ الجن : 15 ] وقوله : ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ [ الأنعام : 1 ] ذكره الخطيب . فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً أي قصدوا طريق الحق وتوخوه باجتهاد ، ومنه التحري في الشيء ، قال الراغب : حرى الشيء يحريه أي قصد حراه أي جانبه وتحراه كذلك . وقال الفراء : أموا الهدى قال النسفي : تحرى طلب الأحرى . أي الأولى وفيه دليل على أن الجن يثاب بالجنة . [ سورة الجن ( 72 ) : الآيات 15 إلى 22 ] وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً ( 15 ) وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً ( 16 ) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذاباً صَعَداً ( 17 ) وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً ( 18 ) وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً ( 19 ) قُلْ إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً ( 20 ) قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَداً ( 21 ) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً ( 22 )