صديق الحسيني القنوجي البخاري

230

فتح البيان في مقاصد القرآن

وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا في علم اللّه لِجَهَنَّمَ حَطَباً أي وقودا للنار يوقد بهم كما يوقد بكفرة الإنس ، وفيه دليل على أن الجني الكافر يعذب في النار ، وأنهم إن خلقوا منها لكنهم تغيروا عن تلك الكيفية فصاروا لحما ودما هكذا قيل ، وأيضا النار قويها قد يأكل ضعفيها فيكون الضعيف حطبا للقوي . وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ قرأ الجمهور بكسر الواو من « لو » لالتقاء الساكنين وقرىء بضمها تشبيها بواو الضمير ، وهذا ليس من قول الجن بل هو معطوف على أنه استمع نفر من الجن ، والمعنى وأوحي إلى أن الشأن لو استقام الجن والإنس ، أو كلاهما على الطريقة وهي طريقة الإسلام . وقد قدمنا أن القراء اتفقوا على فتح « أن » ههنا . قال ابن الأنباري والفتح ههنا على إضمار يمين تأويلها ، واللّه أن لو استقاموا على الطريقة كما يقال في الكلام : وللّه لو قمت قمت ، قال أو على أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ [ الجن : 1 ] وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا [ الجن : 16 ] أو على آمَنَّا بِهِ [ آل عمران : 7 ] أي آمنا به وبأن لو استقاموا ، وعلى هذا يكون جميع ما تقدم معترضا بين المعطوف والمعطوف عليه ، قال ابن عباس : لو أقاموا على ما أمروا به . لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً وليس المراد خصوص السقيا بل المراد لوسعنا عليهم في الدنيا وبسطنا لهم في الرزق ، وقال ابن عباس : معينا ، وقال مقاتل : ماء كثيرا من السماء ، وذلك بعد ما رفع عنهم المطر سبع سنين ، وقال ابن قتيبة : المعنى لو آمنوا جميعا لوسعنا عليهم في الدنيا ، وضرب الماء الغدق مثلا لأن الخير والرزق كله بالمطر ، وهذا كقوله : وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا [ المائدة : 65 ] الآية وقوله : وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ [ الطلاق : 2 ، 3 ] وقوله : اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ [ نوح : 10 - 12 ] الآية . وقيل المعنى وأن لو استقام أبوهم على عبادته وسجد لآدم ولم يكفر . وتبعه ولده على الإسلام لأنعمنا عليهم ، واختار هذا الزجاج ، والماء الغدق هو الكثير في