صديق الحسيني القنوجي البخاري

224

فتح البيان في مقاصد القرآن

فَقالُوا لقومهم لما رجعوا إليهم إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً أي كلاما مقروءا عَجَباً في فصاحته وبلاغته وغزارة معانيه وغير ذلك ، وقيل عجبا في مواعظه ، وقيل في بركته ، وعجبا مصدر وصف به للمبالغة أو على حذف المضاف أي ذا عجب أو المصدر بمعنى اسم الفاعل أي معجبا . يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ أي إلى مراشد الأمور ، وهي الحق والصواب والإيمان ، وقيل إلى معرفة اللّه والتوحيد ، والجملة صفة أخرى للقرآن فَآمَنَّا بِهِ أي صدقنا بأنه من عند اللّه وَلَنْ نُشْرِكَ بعد اليوم بِرَبِّنا أَحَداً من خلقه ولا نتخذ معه إلها آخر لأنه المتفرد بالربوبية ، وفيه دليل على أن أولئك النفر كانوا مشركين قيل كانوا يهودا وقيل كانوا نصارى وقيل مجوسا ومشركين . وفي هذا توبيخ للكفار من بني آدم حيث آمنت الجن بسماع القرآن مرة واحدة وانتفعوا بسماع آيات يسيرة منه ، وأدركوا بعقولهم أنه كلام اللّه وآمنوا به ، ولم ينتفع كفار الإنس لا سيما رؤساؤهم وعظماؤهم بسماعه مرارا متعددة ، وتلاوته عليهم في أوقات مختلفة ، مع كون الرسول منهم يتلوه عليهم بلسانهم ، لا جرم صرعهم اللّه أذل مصرع وقتلهم أقبح مقتل ولعذاب الآخرة أشد لو كانوا يعلمون . [ سورة الجن ( 72 ) : الآيات 3 إلى 7 ] وَأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا مَا اتَّخَذَ صاحِبَةً وَلا وَلَداً ( 3 ) وَأَنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا عَلَى اللَّهِ شَطَطاً ( 4 ) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِباً ( 5 ) وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقاً ( 6 ) وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَداً ( 7 ) وَأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا قرىء بفتح أن وكذا فيما بعدها وذلك أحد عشر موضعا إلى قوله : وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ [ الجن : 19 ] وقرىء بالكسر في هذه المواضع كلها إلا في قوله : وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ [ الجن : 18 ] فإنهم اتفقوا على الفتح ، أما من قرأ بالفتح في هذه المواضع فعلى العطف على محل الجار والمجرور في فَآمَنَّا بِهِ كأنه قيل فصدقناه وصدقنا أنه تعالى جد ربنا الخ . وأما من قرأ بالكسر في هذه المواضع فعلى العطف على إِنَّا سَمِعْنا أي : فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً [ الجن : 1 ] وقالوا : أَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا الخ : واختار أبو حاتم وأبو عبيدة قراءة الكسر لأنه كله من كلام الجن . ومما هو محكي عنهم بقوله : فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا [ الجن : 1 ] . وقرىء بالفتح في ثلاثة مواضع وهي وَأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا ، وَأَنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا ، وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ لأنه من الوحي وكسر ما بقي لأنه من كلام الجن ، وقرأ الجمهور وأنه لما قام عبد اللّه بالفتح لأنه معطوف على قوله أنه استمع .