صديق الحسيني القنوجي البخاري
223
فتح البيان في مقاصد القرآن
الفلاسفة ، واعترف به جمع منهم وسموهم بالأرواح السفلية ، وزعموا أنهم أسرع إجابة من الأرواح الفلكية إلا أنهم أضعف . وأما جمهور أرباب الملل وهم أتباع الرسل والشرائع فقد اعترفوا بوجودهم ، لكن اختلفوا في ماهيتهم وقد نطق الكتاب العزيز والسنة المطهرة بوجودهم فلا اعتداد بمنكريهم ، وإذا جاء نهر اللّه بطل نهر معقل ، قال الضحاك : والجن ولد الجان وليسوا بشياطين ، وقال الحسن : إنهم ولد إبليس وقيل هم أجسام عاقلة خفية تغلب عليهم النارية والهوائية ، وقيل نوع من الأرواح المجردة وقيل هي النفوس البشرية المفارقة لأبدانها . وقد اختلف أهل العلم في دخول مؤمني الجن الجنة كما تدخل عصاتهم النار لقوله في سورة تبارك وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ وَأَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابَ السَّعِيرِ [ الملك : 5 ] وقول الجن فيما سيأتي في هذه السورة وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً [ الجن : 15 ] وغير ذلك من الآيات ، فقال الحسن : يدخلون الجنة وقال مجاهد : لا يدخلونها وإن صرفوا عن النار والأول أولى لقوله في سورة الرحمن . لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ [ الرحمن : 56 ] وفي سورة الرحمن آيات غير هذه تدل على ذلك فراجعها ، وقد قدمنا أن الحق أنه لم يرسل اللّه إليهم رسلا منهم بل الرسل جميعا من الإنس ، وإن أشعر قوله : « قد أرسلنا إليكم رسلا منكم » بخلاف هذا فهو مدفوع الظاهر بآيات كثيرة في الكتاب العزيز دالة على أن اللّه سبحانه لم يرسل الرسل إلا من بني آدم ، وهذه الأبحاث الكلام فيها يطول ، والمراد الإشارة بأخصر عبارة ، قال ابن مسعود في الآية : كانوا من جن نصيبين . وقد أخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي وغيرهم عن ابن عباس « قال انطلق النبي صلى اللّه عليه وسلم في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء وأرسلت عليهم الشهب فرجعت الشياطين إلى قومهم فقالوا ما لكم ، فقيل حيل بيننا وبين خبر السماء وأرسلت علينا الشهب ، قالوا ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا شيء حدث فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها لتعرفوا ما هذا الأمر الذي حال بينكم وبين خبر السماء ، فانصرف أولئك الذين توجهوا نحو تهامة إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم وهو بنخلة عامدين إلى سوق عكاظ وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر ، فلما سمعوا القرآن استمعوا له قالوا هذا واللّه الذي حال بينكم وبين خبر السماء ، فهناك رجعوا إلى قومهم فقالوا يا قومنا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً [ الجن : 1 ، 2 ] فأنزل اللّه على نبيه صلى اللّه عليه وسلم قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ « 1 » وإنما أوحي إليه قول الحق .
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الأذان باب 105 ، وتفسير سورة 72 ، في الترجمة ، باب 1 ، ومسلم في الصلاة حديث 149 ، والترمذي في تفسير سورة 72 ، باب 1 ، وأحمد في المسند 1 / 252 .