صديق الحسيني القنوجي البخاري

215

فتح البيان في مقاصد القرآن

قال الكرخي : أي أنكم إذا وقرتم نوحا وتركتم استخفافه كان ذلك لأجل اللّه ، ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً ، وقال سعيد بن جبير وأبو العالية وعطاء بن أبي رباح : ما لكم لا ترجون للّه ثوابا ولا تخافون منه عقابا ، وقال مجاهد والضحاك : ما لكم لا تبالون للّه عظمة ، قال قطرب : هذه لغة حجازية وهذيل وخزاعة ومضر يقولون لم أرج لم أبل ، وقال قتادة ما لكم لا ترجون للّه عاقبة الإيمان ، وقال ابن كيسان ما لكم لا ترجون في عبادة اللّه وطاعته أن يثيبكم على توقيركم خيرا ، وقال ابن زيد : ما لكم لا تؤدون للّه طاعة ، وقال الحسن : ما لكم لا تعرفون للّه حقا ولا تشكرون له نعمة ، وقال ابن عباس : لا تعلمون للّه عظمة ، وعنه قال : لا تخافون للّه عظمة ولا تخشون له عقابا ، ولا ترجون له ثوابا ، وعن علي بن أبي طالب أن النبي صلى اللّه عليه وسلم : رأى ناسا يغتسلون عراة ليس عليهم أزر فوقف فنادى بأعلى صوته : « ما لكم لا ترجون للّه وقارا » أخرجه عبد الرزاق في المصنف . وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً أي والحال أنه سبحانه قد خلقكم على أطوار مختلفة وأحوال منافية لما أنتم عليه بالكلية ، فخلقكم تارة عناصر ثم أغذية ثم أخلاطا ثم نطفا ثم مضغا ثم علقا ثم عظاما ولحوما ثم أنشأكم خلقا آخر ، والطور في اللغة المرة ، وقال ابن الأنباري : الطور الحال والهيئة وجمعه أطوار ، وقيل أطوارا صبيانا ثم شبانا ثم شيوخا ، وقيل الأطوار اختلافهم في الأفعال والأقوال والأخلاق ، والمعنى كيف تقصرون في توقير من خلقكم على هذه الأطوار البديعة تارات وكرات ، فهذا مما لا يكاد يصدر عن العاقل . [ سورة نوح ( 71 ) : الآيات 15 إلى 21 ] أَ لَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً ( 15 ) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً ( 16 ) وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً ( 17 ) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيها وَيُخْرِجُكُمْ إِخْراجاً ( 18 ) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِساطاً ( 19 ) لِتَسْلُكُوا مِنْها سُبُلاً فِجاجاً ( 20 ) قالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاَّ خَساراً ( 21 ) ثم لما نبههم سبحانه وتعالى أولا على النظر في أنفسهم لأنها أقرب ، نبههم ثانيا على النظر في العالم وما سوى فيه من العجائب الدالة على الصانع الحكيم فقال أَ لَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً الخطاب لمن يصلح له ، والمراد الاستدلال بخلق السماوات على كمال قدرته وبديع صنعه ، وأنه الحقيق بالعبادة ، والطباق المتطابقة بعضها فوق بعض كل سماء مطبقة على الأخرى كالقباب من غير مماسة ، قال الحسن خلق اللّه سبع سماوات على سبع أرضين بين كل سماء وسماء وأرض وأرض خلق وأمر . وقد تقدم تحقيق هذا في قوله وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ [ الطلاق : 12 ] وانتصاب