صديق الحسيني القنوجي البخاري
216
فتح البيان في مقاصد القرآن
طباقا على المصدرية تقول طابقه طباقا ومطابقة أو حال بمعنى ذات طباق فحذف ذات وأقام طباقا مقامه ، وأجاز الفراء في غير القرآن جر طباق على النعت . وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً أي منورا لوجه الأرض وجعل القمر في السماوات مع كونه في سماء الدنيا لأنه إذا كان في إحداهن فهو فيهن كذا قال ابن كيسان وأبو السعود ، قال الأخفش : كما تقول أتاني بنو تميم والمراد بعضهم أو لأن كل واحدة منها شفافة لا تحجب ما وراءها فيرى الكل كأنه سماء واحدة ، ومن ضرورة ذلك أن يكون ما في كل واحدة منها كأنه في الكل ، وقال قطرب « فيهن » بمعنى معهن أي خلق الشمس والقمر مع خلق السماوات والأرض ، قال ابن عباس : وجهه في السماء إلى العرش وقفاه إلى الأرض وعنه قال خلق فيهن حين خلقهن ضياء لأهل الأرض وليس من ضوئه في السماء شيء . وَجَعَلَ الشَّمْسَ فيهن سِراجاً أي كالمصباح لأهل الأرض ليتوصلوا بذلك إلى التصرف فيما يحتاجون إليه من المعاش ، عن ابن عمرو : قال الشمس والقمر وجوههما قبل السماء وأقفيتهما قبل الأرض ، وأنا أقرأ بذلك عليكم آية من كتاب اللّه يعني هذه الآية ، وعن ابن عمر قال في الآية تضيء لأهل السماوات كما تضيء لأهل الأرض ، وعن شهر بن حوشب قال : اجتمع عبد اللّه بن العاص وكعب الأحبار ، وكان بينهما بعض العتب فتعاتبا فذهب ذلك فقال ابن عمرو لكعب سلني عما شئت فلا تسألني عن شيء إلا أخبرتك بتصديق قولي من القرآن ، فقال له أرأيت ضوء الشمس والقمر أهو في السماوات السبع كما هو في الأرض ؟ قال نعم ألم تر إلى قول اللّه ، يعني هذه الآية ، قال النسفي : وأجمعوا على أن الشمس في السماء الرابعة وضوءها أقوى من نور القمر ، وقيل في الخامسة وقيل في الشتاء في الرابعة وفي الصيف في السابعة . وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً يعني آدم خلقه اللّه من أديم الأرض ، والمعنى أنشأكم منها إنشاء ، فاستعير الإنبات للإنشاء لكونه أدل على الحدوث والتكوين من الأرض ، ونباتا إما مصدر لأنبت على حذف الزوائد ويسمى اسم مصدر ، ويجوز أن يكون مصدرا لنبتم مقدرا أي أنبتكم فنبتم نباتا فيكون منصوبا بالمطاوع المقدر . وقال الخليل والزجاج : هو مصدر محمول على المعنى لأن معنى أنبتكم جعلكم تنبتون نباتا ، وقيل المعنى واللّه أنبت لكم من الأرض النبات ، فنباتا على هذا مفعول به ، قال ابن بحر : أنبتهم في الأرض بالكبر بعد الصغر وبالطول بعد القصر . ثُمَّ يُعِيدُكُمْ في الأرض بعد الموت مقبورين فِيها وَيُخْرِجُكُمْ منها بالبعث يوم القيامة إِخْراجاً حقا لا محالة .