صديق الحسيني القنوجي البخاري

212

فتح البيان في مقاصد القرآن

قد طال الكلام في هذا البحث ، وقد وقفت قبل الآن بنحو ثمان سنين على مؤلف بسيط لبعض الحنابلة في خصوص هذه المسألة ، وقد غاب عني اسم الكتاب واسم صاحبه ، والأحاديث القاضية بأن صلة الرحم تزيد في العمر أحاديث صحيحة كثيرة منها ما أخرجه البخاري والترمذي من حديث أبي هريرة مرفوعا بلفظ « من سره أن يبسط له في رزقه وأن ينسأ له في أثره فليصل رحمه » « 1 » . وعند الترمذي « تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم فإن صلة الرحم محبة في الأهل مثراة في المال منسأة في الأثر » « 2 » ، والأثر الأجل وإنساؤه . وأخرج أحمد في مسنده والبيهقي في شعب الإيمان ورمز السيوطي في الجامع لصحته من حديث عائشة مرفوعا : « صلة الرحم وحسن الخلق وحسن الجوار يعمرن الديار ويزدن في الأعمار » « 3 » . وأخرج القضاعي من حديث ابن مسعود مرفوعا « صلة الرحم تزيد في العمر وصدقة السر تطفئ غضب الرب » . وأخرج الطبراني في الأوسط من حديث عمرو بن سهيل مرفوعا « صلة الرحم مثراة في المال محبة في الأهل منسأة في الأجل » . إذا تقرر هذا فالعمر محدود ومعلوم لا يتقدم ولا يتأخر إلا إذا وصل الرجل رحمه مد اللّه في عمره وزاده ، وهكذا حكم سائر الأمور التي وردت الأدلة بأنها تزيد في العمر أو تنقص منه لأنها خاصة ، والخاص مقدم على العام ، والمقام يحتمل البسط ، وفي هذا كفاية واللّه أعلم . قالَ رَبِّ أي قال نوح مناجيا لربه وحاكيا له ما جرى بينه وبين قومه وهو أعلم به منه إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي إلى ما أمرتني بأن أدعوهم إليه من الإيمان لَيْلًا وَنَهاراً أي دعاء دائما دائبا بلا فتور في الليل والنهار من غير تقصير . فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي شيئا من أحوالهم التي كانوا عليها إِلَّا فِراراً إعراضا عما دعوتهم إليه ، وبعدا عنه ، قال مقاتل يعني تباعدا من الإيمان كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ [ المدثر : 50 ] وإسناد الزيادة إلى الدعاء لكونه سببها كما في قوله زادَتْهُمْ إِيماناً [ الأنفال : 2 ] قرأ الجمهور دعائي بفتح الياء ، وقرىء بإسكانها والاستثناء مفرغ .

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الأدب باب 12 ، والبيوع باب 13 ، ومسلم في البر حديث 20 ، 21 ، وأبو داود في الزكاة باب 45 . ( 2 ) أخرجه الترمذي في البر باب 49 . ( 3 ) أخرجه أحمد في المسند 6 / 159 .