صديق الحسيني القنوجي البخاري

213

فتح البيان في مقاصد القرآن

[ سورة نوح ( 71 ) : الآيات 7 إلى 14 ] وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْباراً ( 7 ) ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهاراً ( 8 ) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْراراً ( 9 ) فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً ( 10 ) يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً ( 11 ) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً ( 12 ) ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً ( 13 ) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً ( 14 ) وَإِنِّي كُلَّما دعوتهم إلى سبب المغفرة وهو الإيمان بك والطاعة لك لِتَغْفِرَ لَهُمْ أي لأجل مغفرتك لهم ، أو اللام للتعدية ويكون قد عبر عن السبب بالمسبب ، والأصل دعوتهم للتوبة التي هي سبب في الغفران ، فأطلق الغفران وأريد به التوبة جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ لئلا يسمعوا صوتي ، وقال ابن عباس لئلا يسمعوا ما يقول . وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ أي غطوا بها وجوههم لئلا يروني ، وقيل جعلوا ثيابهم على رؤوسهم لئلا يسمعوا كلامي ، فيكون استغشاء الثياب على هذا زيادة في سد الأذان ، وقيل هو كناية عن العداوة ، يقال لبس فلان ثياب العداوة ، وقيل استغشوا ثيابهم لئلا يعرفهم فيدعوهم ، وقال ابن عباس : ليتنكروا فلا يعرفهم ، وعنه قال : غطوا وجوههم لئلا يروا نوحا ولا يسمعوا كلامه ، وقد أفادت هذه الآية بالتصريح أنهم عصوا نوحا وخالفوه مخالفة لا أقبح منها ظاهرا بتعطيل الأسماع والأبصار ، وباطنا بالإصرار والاستكبار كما قال تعالى وَأَصَرُّوا أي استمروا على الكفر ولم يقلعوا عنه ولا تابوا عنه اسْتَكْبَرُوا عن قبول الحق وعن امتثال ما أمرهم به و اسْتِكْباراً شديدا وذكر المصدر دليل على فرط استكبارهم قال ابن عباس : تركوا التوبة . ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهاراً أي مظهرا لهم الدعوة مجاهرا لهم بها ، وانتصاب جِهاراً على المصدرية لأن الدعاء يكون جهارا ويكون غير جهار ، فالجهار نوع من الدعاء كقولهم قعد القرفصاء ، ويجوز أن يكون نعت مصدر محذوف أي دعاء جهارا ، وأن يكون مصدرا في موضع الحال أي مجاهرا أو ذا جهار ، أو جعل نفس المصدر مبالغة ، ومعنى « ثم » الدلالة على تباعد الأحوال لأن الجهار أغلظ من السر ، والجمع بين الأمرين أغلظ من أحدهما ، قرأ الجمهور إِنِّي بسكون الياء وقرىء بفتحها . ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ أي دعوتهم معلنا لهم بالدعاء وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ الدعوة إِسْراراً كثيرا قيل المعنى أنه يدعو الرجل بعد الرجل يكلمه سرا فيما بينه وبينه ، والمقصود أنه دعاهم على وجوه متخالفة وأساليب متفاوتة ، فلم ينجح ذلك فيهم ، وهكذا يفعل الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر يبتدئ بالأهون ثم بالأشد فالأشد ، قال مجاهد معنى أعلنت صحت ، وقيل معنى أسررت أتيتهم في منازلهم فدعوتهم فيها . فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ أي سلوه المغفرة من ذنوبكم السالفة أعيانها وآثارها