صديق الحسيني القنوجي البخاري

211

فتح البيان في مقاصد القرآن

أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ « أن » هي التفسيرية لنذير أو هي المصدرية كأختها السابقة أي بأن اعبدوا اللّه ولا تشركوا به غيره ، واجتنبوا ما يوقعكم في عذابه ، وأطيعوني فيما آمركم به فإني رسول إليكم من عند اللّه ، وإنما أضاف الإطاعة إلى نفسه لأن الطاعة قد تكون لغير اللّه بخلاف العبادة . يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ هذا جواب الأوامر الثلاثة ، « ومن » للتبعيض أي بعض ذنوبكم وهو ما سلف منها قبل طاعة الرسول وإجابة دعوته ، وقيل المراد بالبعض ما لا يتعلق بحقوق العباد ، فإنها لا تغفر بالإسلام ، وهذا كلام ظاهري إذ الحق أنها تغفر من حيث المؤاخذة الأخروية بمعنى أنهم لا يعاقبون عليها في الآخرة ، وإن كانت من حيث المؤاخذة عليها في الدنيا لا تغفر ، فيطالب الكافر إذا أسلم بالحدود كحد القذف وبالمال الذي ظلم به في الكفر تأمل . وقيل هي لبيان الجنس ، وقيل زائدة قاله السدي فإن الإسلام يغفر ما قبله ، وهذا على رأي الأخفش الذي لا يشترط في زيادتها تقدم نفي ولا تنكير المجرور بها ، والأولى هو الوجه الأول وقيل يغفر لكم من ذنوبكم ما استغفرتموه منها . وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى أي يؤخر موتكم إلى الأمد الأقصى المعلوم المعين الذي قدره اللّه لكم لا يزيد ولا ينقص بشرط الإيمان والطاعة فوق ما قدره لكم على تقدير بقائكم على الكفر والعصيان ، وقيل التأخير بمعنى البركة في أعمارهم إن آمنوا ، وعدم البركة فيها إن لم يؤمنوا ، قال مقاتل : يؤخركم إلى منتهى آجالكم ، وقال الزجاج : أي يؤخركم عن العذاب فتموتوا غير ميتة المستأصلين بالعذاب ، فالمؤخر إنما هو العذاب فلا يخالف هذا قوله إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ لأن المنفي تأخيره فيه هو الأجل نفسه ، فلا تخالف بين هذين المحلين ، وقال الفراء : المعنى لا يميتكم غرقا ولا حرقا ولا قتلا . إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ أي ما قدره لكم على تقدير بقائكم على الكفر من العذاب إِذا جاءَ وأنتم باقون على الكفر لا يُؤَخَّرُ بل يقع لا محالة فبادروا إلى الإيمان والطاعة ، وقيل المعنى إن أجل اللّه وهو الموت إذا جاء لا يمكنكم الإيمان . وقيل المعنى إذا جاء الموت لا يؤخر سواء كان بعذاب أو بغير عذاب ، وإضافة الأجل إليه سبحانه لأنه هو الذي أثبته ، وقد يضاف إلى القوم كقوله إِذا جاءَ أَجَلُهُمْ [ يونس : 49 ] لأنه مضروب لهم لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ شيئا من العلم لسارعتم إلى ما أمرتكم به ولعلمتم أن أجل اللّه إذا جاء لا يؤخر . هذا : وقد سئل الشوكاني رحمه اللّه تعالى عما ورد في الآيات الكريمات الدالة على أن العمر لا يزيد ولا ينقص ، والأحاديث الدالة على أن صلة الرحم تزيد في العمر ، فأجاب بما لفظه :