صديق الحسيني القنوجي البخاري

207

فتح البيان في مقاصد القرآن

المفسرون : كان المشركون يقولون لئن دخل هؤلاء الجنة لندخلن قبلهم ، فنزلت الآية ، قرأ الجمهور ويدخل مبنيا للمفعول ، وقرىء مبنيا للفاعل . ثم رد اللّه سبحانه عليهم فقال : كَلَّا إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ أي من القذر الذي يعلمون به يعني من النطفة المذرة ، وأبهم إشعارا بأنه منصب يستحي من ذكره فلا ينبغي لهم هذا التكبر ، وهذا استدلال بالنشأة الأولى على إمكان النشأة الثانية التي بنوا الطمع على فرضها فرضا محالا عندهم بعد ردعهم عنه ، وقيل المعنى إنا خلقناهم من أجل ما يعلمون وهو امتثال الأمر والنهي وتكميل النفس بالعلم والعمل ، وتعريضهم للثواب والعقاب كما في قوله : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [ الذاريات : 56 ] . أخرج أحمد وابن ماجة وابن سعد وابن أبي عاصم والبارودي وابن قانع والحاكم والبيهقي في الشعب والضياء عن بشر بن جحاش قال : « قرأ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فَما لِ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى قوله مِمَّا يَعْلَمُونَ [ المعارج : 39 ] ثم بزق رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم على كفه ووضع عليها أصبعه وقال : « يقول اللّه ابن آدم أنّى تعجزني وقد خلقتك من مثل هذه حتى إذا سويتك وعدلتك مشيت بين بردين وللأرض منك وئيد فجمعت ومنعت حتى إذا بلغت التراقي قلت أتى أوان الصدقة » « 1 » . قال ابن العربي في الفتوحات خلق اللّه تعالى الناس على أربعة أقسام قسم لا من ذكر ولا من أنثى وهو آدم عليه السلام وقسم من ذكر فقط وهو حواء وقسم من أنثى فقط وهو عيسى عليه السلام وقسم من ذكر وأنثى وهو بقية الناس . فَلا أُقْسِمُ لا زائدة كما تقدم قريبا والمعنى فأقسم بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ قرأهما الجمهور بالجمع يعني مشرق كل يوم من أيام السنة ومغربه ، وقال ابن عباس للشمس كل يوم مطلع تطلع فيه وكل يوم مغرب تغرب فيه غير مطلعها بالأمس . وغير مغربها بالأمس ، وقيل مشرق كل نجم ومغربه وقرىء بالإفراد ، وقوله : إِنَّا لَقادِرُونَ عَلى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْراً مِنْهُمْ جواب القسم ، والمعنى إنا لقادرون على أن نخلق أمثل منهم وأطوع للّه حين عصوه ، ونهلك هؤلاء أو نبدلهم بتحويل الوصف فيكونوا أشد بطشا في الدنيا وأكثر أموالا وأولادا ، وأعلى قدرا ، وأكثر حشما وجاها وخدما فيكونوا عندك على قلب واحد في سماع قولك وتوقيرك وتعظيمك ، والسعي في كل ما يشرح صدرك بدل ما يعمل هؤلاء من الهزء والتصفيق والصفير ، وكل ما يضيق به صدرك . وقد فعل سبحانه ما ذكر من هذه الأوصاف بالمهاجرين والأنصار والتابعين لهم

--> ( 1 ) أخرجه أحمد في المسند 4 / 210 ، والحاكم في المستدرك 2 / 502 .