صديق الحسيني القنوجي البخاري

208

فتح البيان في مقاصد القرآن

بالإحسان ، مع السعة في الرزق بأخذ أموال الجبارين من كسرى وقيصر ، والتمكن في الأرض حتى كانوا ملوك الدنيا مع العمل بما يوجب لهم ملك الآخرة ، ففرجوا الكرب عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم وبذلوا في مرضاته الأنفس والأموال . ومن جملة المقسم عليه قوله : وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ أي بمغلوبين إن أردنا ذلك بل نفعل ما أردنا لا يفوتنا شيء ولا يعجزنا أمر ، ولكن مشيئتنا وسابق علمنا اقتضيا تأخير عقوبة هؤلاء وعدم تبديلهم بخلق آخر فَذَرْهُمْ أي دعهم واتركهم يَخُوضُوا في باطلهم وَيَلْعَبُوا في دنياهم واشتغل بما أمرت به ، ولا يعظمن عليك ما هم فيه فليس عليك إلا البلاغ ، وهذا تهديد لهم وتسلية له صلى اللّه عليه وسلم . حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ هو يوم كشف الغطاء الذي أوله عند الغرغرة وتناهيه النفخة الثانية ودخول كل من الفريقين في داره ومحل استقراره ، وقيل هو يوم القيامة ، وهذه الآية منسوخة بآية السيف كما قال البقاعي وابن عادل ، قرأ الجمهور يُلاقُوا وقرىء يلقوا ، وفيه إشارة إلى أن التفاعل ليس على بابه . يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعاً « يوم » بدل من يومهم ؛ بدل بعض من كل على ما يقتضيه تفسير يومهم بما ذكر ؛ قرأ الجمهور يخرجون على البناء للفاعل وقرىء على البناء للمفعول ، والأجداث جمع جدث وهو القبر ؛ والسراع جمع سريع وانتصابه على الحال من ضمير يخرجون . كَأَنَّهُمْ إِلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ قرأ الجمهور نصب بفتح النون وسكون الصاد وهو اسم مفرد بمعنى العلم المنصوب الذي يسرع الشخص نحوه ، وقال أبو عمرو هو شبكة الصائد يسرع إليها عند وقوع الصيد فيها مخافة انفلاته . وقرىء بضمهما ، وفيه ثلاثة أوجه أحدها أنه اسم مفرد بمعنى الصنم المنصوب للعبادة ، وثانيها أنه جمع نصاب ككتب في كتاب ، وثالثها أنه جمع نصب كرهن في رهن ، وسقف في سقف ، وجمع الجمع أنصاب ، وقرىء بفتحتين ففعل بمعنى مفعول أي منصوب كالقبض ، وقرىء بضم فسكون وهي تخفيف من الثانية . وقال النحاس : نصب ونصب بمعنى واحد قيل معنى إلى نصب ، إلى غاية وهي التي تنصب إليها بصرك ، وقال الكلبي : إلى شيء منصوب كعلم أو راية أي كأنهم إلى علم يدعون إليه أو راية تنصب لهم يوفضون ، قال الحسن : كانوا يبتدرون إذا طلعت الشمس إلى نصبهم التي كانوا يعبدونها من دون اللّه لا يلوي أولهم على آخرهم . قيل معنى يوفضون يسرعون إسراع من ضل عن الطريق إلى أعلامها ، والإيفاض الإسراع يقال أوفض إيفاضا أي أسرع إسراعا ، وفي القاموس : وفض يفض وفضا بالسكون وبالتحريك عدا وأسرع كأوفض واستوفض ، والأوفاض الفرق من الناس