صديق الحسيني القنوجي البخاري
201
فتح البيان في مقاصد القرآن
مجاهد : هو القيح من الصديد والدم ، وقال عكرمة وغيره : هو دردي الزيت ، وبه قال ابن عباس : وقد تقدم تفسيره في سورة الكهف والدخان . وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ أي كالصوف المصبوغ ، ولا يقال للصوف عهن إلا إذا كان مصبوغا ، قال الحسن تكون الجبال كالصوف الأحمر ، وهو أضعف الصوف ، وقيل العهن الصوف ذو الألوان فشبه الجبال به في تكونها ألوانا كما في قوله : جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها وَغَرابِيبُ سُودٌ [ فاطر : 27 ] فإذا بست وطيرت في الهواء أشبهت العهن المنفوش إذا طيرته الريح ، وهذه الأقوال في معنى العهن في اللغة ، وأول ما تتغير الجبال تصير رملا مهيلا ثم عهنا منفوشا ثم هباء منثورا . وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً أي لا يسأل قريب قريبه عن شأنه في ذلك اليوم لما نزل بهم من شدة الأهوال التي أذهلت القريب عن قريبه ، والخليل عن خليله كما قال سبحانه : لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ [ عبس : 37 ] وقيل المعنى لا يسأل حميم عن حميم لشغله عنه فحذف الحرف ووصل الفعل . قرأ العامة يسأل مبنيا للفاعل والمفعول الثاني محذوف أي لا يسأله نصره ولا شفاعته لعلمه أن ذلك مفقود ، وقيل لا يسأل شيئا من حمل أوزاره ، وقرىء على البناء للمفعول والمعنى لا يسأل حميم احضار حميمه ، وقيل هذه القراءة على إسقاط حرف الجر ، أي لا يسأل حميم عن حميم بل كل إنسان يسأل عن نفسه وعن عمله ، وقيل لا يطالب به ولا يؤخذ بذنبه . [ سورة المعارج ( 70 ) : الآيات 11 إلى 23 ] يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ ( 11 ) وَصاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ ( 12 ) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ ( 13 ) وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنْجِيهِ ( 14 ) كَلاَّ إِنَّها لَظى ( 15 ) نَزَّاعَةً لِلشَّوى ( 16 ) تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى ( 17 ) وَجَمَعَ فَأَوْعى ( 18 ) إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً ( 19 ) إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً ( 20 ) وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً ( 21 ) إِلاَّ الْمُصَلِّينَ ( 22 ) الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ ( 23 ) وجملة يُبَصَّرُونَهُمْ مستأنفة أو صفة لقوله حَمِيماً أي يبصر كل حميم حميمه لا يخفى منهم أحد عن أحد ، وليس في القيامة مخلوق إلا وهو نصب عين صاحبه ولا يتساءلون ولا يكلم بعضهم بعضا لاشتغال كل أحد منهم بنفسه ، وقال ابن زيد يبصر اللّه الكفار في النار الذين أضلوهم في الدنيا وهم الرؤساء المتبوعون ، وقيل إن قوله : يُبَصَّرُونَهُمْ يرجع إلى الملائكة أي يعرفون أحوال الناس لا يخفون عليهم ، وإنما جمع الضميرين في يُبَصَّرُونَهُمْ وهما للحميمين حملا على معنى العموم لأنهما نكرتان في سياق النفي ، قاله السمين والزمخشري ، قال الطيبي : وفيه دليل على