صديق الحسيني القنوجي البخاري
19
فتح البيان في مقاصد القرآن
يَوْمَ أي اذكر يوم يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ أي للّه يوم القيامة على أنهم مؤمنون كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ في الدنيا ، وهذا من شدة شقاوتهم ومزيد الطبع على قلوبهم ، فإن يوم القيامة قد انكشفت فيه الحقائق ، وصارت الأمور معلومة بضرورة المشاهدة فكيف يجترئون ، على أن يكذبوا في ذلك الموقف ، ويحلفون على الكذب . عن ابن عباس قال : « كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، جالسا في ظل حجرة من حجره وعنده نفر من المسلمين فقال : إنه سيأتيكم إنسان فينظر إليكم بعين شيطان ، فإذا جاءكم فلا تكلموه ، فلم يلبثوا أن طلع عليهم رجل أزرق ، فقال حين رآه : علام تشتمني أنت وأصحابك ؟ فقال : ذرني آتيك بهم ، فحلفوا واعتذروا » ، فأنزل هذه الآية والتي بعدها . وَيَحْسَبُونَ في الآخرة أَنَّهُمْ بتلك الأيمان الكاذبة عَلى شَيْءٍ مما يجلب نفعا أو يدفع ضررا ، كما كانوا يحسبون ذلك في الدنيا أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ أي الكاملون في الكذب المتهالكون عليه ، البالغون إلى حد لم يبلغ إليه غيرهم بإقدامهم عليه وعلى الأيمان الفاجرة ، في موقف القيامة بين يدي الرحمن . اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ أي غلب عليهم واستعلى واستولى ، قال المبرد : استحوذ على الشيء حواه وأحاط به ، وقيل : قوي عليهم ، وقيل : جمعهم ، يقال : أحوذ الشيء أي جمعه وضم بعضه إلى بعض ، والمعاني متقاربة لأنه إذا جمعهم فقد قوي عليهم وغلبهم ، واستعلى عليهم واستولى وأحاط بهم فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أي أوامره والعمل بطاعاته ، فلم يذكروا شيئا من ذلك وقيل : زواجره في النهي عن معاصيه ، وقيل : لم يذكروه بقلوبهم ولا بألسنتهم والإشارة بقوله أُولئِكَ إلى المذكورين الموصوفين بتلك الصفات حِزْبُ الشَّيْطانِ أي جنوده وأتباعه ورهطه . أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ أي الكاملون في الخسران ، حتى كأن خسران غيرهم بالنسبة إلى خسرانهم ليس بخسران ، لأنهم باعوا الجنة بالنار ، والهدى بالضلال وكذبوا على اللّه وعلى نبيه وحلفوا الأيمان الفاجرة في الدنيا والآخرة ، وفوتوا على أنفسهم النعيم المؤبد ، وعرضوها للعذاب المخلد . إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ قد تقدم معنى المحادة للّه ولرسوله صلّى اللّه عليه وسلم ، في أول هذه السورة والجملة تعليل لما قبلها أُولئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ أي أولئك المحادون للّه ولرسوله المتصفون بتلك الصفات المتقدمة من جملة من أذله اللّه من الأمم السابقة واللاحقة ، لا ترى أحدا أذل منهم لأنهم لما حادوا اللّه ورسوله صاروا من الذل بهذا المكان ، قال عطاء : يريد الذل في الدنيا والخزي في الآخرة . كَتَبَ اللَّهُ مستأنفة لتقرير ما قبلها من كونهم في الأذلين ، أي كتب في اللوح المحفوظ ، وقضى في سابق علمه ، وقال الفراء : كتب بمعنى قال لَأَغْلِبَنَّ أَنَا