صديق الحسيني القنوجي البخاري

20

فتح البيان في مقاصد القرآن

وَرُسُلِي بالحجة والسيف أو بأحدهما ، قال الزجاج : معنى غلبة الرسل على نوعين ، من بعث منهم بالحرب فهو غالب في الحرب ، ومن بعث منهم بغير الحرب فهو غالب بالحجة إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ على نصر أوليائه عَزِيزٌ غالب لأعدائه لا يغلبه أحد . لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ إيمانا صحيحا ، بحيث يتوافق فيه الظاهر مع الباطن يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ الخطاب لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، أو لكل من يصلح له ، أي يحبون ويوالون من عادى اللّه ورسوله وشاقهما ، أي من الممتنع أن تجد قوما من المؤمنين يوالون المشركين ، والمراد أنه لا ينبغي أن يكون ذلك وحقه أن يمتنع ولا يوجد بحال مبالغة في التوصية بالتصلب في مجانبة أعداء اللّه ومباعدتهم ، والاحتراز عن مخالطتهم ومعاشرتهم « عن عبد اللّه بن شوذب قال : جعل والد أبي عبيدة بن الجراح يتقصد لأبي عبيدة يوم بدر ، وجعل أبو عبيدة يحيد عنه ، فلما أكثر قصده أبو عبيدة فقتله ، فنزلت هذه الآية » ، أخرجه البيهقي في سننه والحاكم والطبراني وغيرهم ثم زاد ذلك تأكيدا وتشديدا بقوله : وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أي ولو كان المحادون للّه ورسوله آباء الموادين الخ ، فإن الإيمان يزجر عن ذلك ويمنع منه ورعايته أقوى من رعاية الأبوة والنبوة والأخوة والعشيرة ، وقدم أولا الآباء لأنهم يجب طاعتهم ، ثم ثنى بالأبناء لأنهم أعلق بالقلب ، ثم ثلث بالإخوان لأنهم الناصرون بمنزلة العضد من الذراع ، ثم ربّع بالعشيرة لأن بها يستغاث وعليها يعتمد أفاده السمين ، روي عن ابن مسعود في هذه الآية قال : ولو كانوا آباءهم يعني أبا عبيدة بن الجراح قتل أباه الجراح ، أو أبناءهم يعني أبا بكر الصديق دعا ابنه يوم بدر للبراز ، وقال : يا رسول اللّه دعني أكن في الرعلة الأولى ، فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « متعنا بنفسك يا أبا بكر أو إخوانهم يعني مصعب بن عمير ، قتل أخاه عبيد بن عمير يوم أحد ، أو عشيرتهم يعني عمر بن الخطاب قتل خاله العاصي بن هشام بن المغيرة يوم بدر وعلي بن أبي طالب وحمزة وأبو عبيدة قتلوا بني عمهم عتبة وشيبة ابني ربيعة والوليد بن عتبة يوم بدر » . أُولئِكَ يعني الذين لا يوادون من حاد اللّه ورسوله كَتَبَ أي خلق ، وقيل : أثبت وقيل : جعل ، وقيل : حكم والمعاني متقاربة فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وإنما ذكر القلوب لأنها موضعه وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ أي قواهم بنصر منه على عدوهم في الدنيا ، وسمى نصره لهم روحا لأنه به يحيي أمرهم ، وقيل : هو نور القلب ، وقال الربيع بن أنس : بالقرآن والحجة ، وقيل : بجبريل ، وقيل : بالإيمان ، وقيل : برحمة ، وقيل : بكتاب أنزله فيه حياة لهم ، وقيل : بروح من الإيمان على أنه في نفسه روح لحياة القلوب ، وعن الثوري أنه قال : كانوا يرون أنها نزلت فيمن يصحب السلطان ،