صديق الحسيني القنوجي البخاري

188

فتح البيان في مقاصد القرآن

ولما ذكر اللّه سبحانه القيامة وهول أمرها بالتعبير بالحاقة وغيرها شرع في تفاصيل أحوالها وبدأ بذكر مقدماتها فقال : فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ قال عطاء يريد النفخة الأولى وبه قال القاضي كالكشاف : أي التي عندها خراب العالم ، وقال الكلبي ومقاتل : يريد النفخة الأخيرة ولم يؤنث الفعل وهو نفخ لأن التأنيث مجازي وحسنه الفضل ، قرأ الجمهور بالرفع فيهما على أن نفخة مرتفعة على النيابة وواحدة تأكيد لها وقرىء بنصبهما على أن النائب هو الجار والمجرور ، وقال الزجاج : قوله في الصور يقوم مقام ما لم يسم فاعله . وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ أي رفعت من أماكنها وقلعت عن مقرها بمجرد القدرة الإلهية أو بتوسط الزلزلة أو الريح العاصفة أو الملائكة ، وهذا الرفع بعد خروج الناس من قبورهم ، قرأ الجمهور بالتخفيف وقرىء بتشديد الميم للتكثير أو للتعدية . فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً أو فكسرتا كسرة واحدة لا زيادة عليها أو ضربتا ضربة واحدة بعضهما ببعض حتى صارتا كَثِيباً مَهِيلًا [ المزمل : 14 ] و هَباءً مُنْبَثًّا [ الواقعة : 6 ] فلم يتميز شيء من أجزائهما عن الآخر ، وقيل بسطتا بسطة واحدة فصارتا قاعاً صَفْصَفاً لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً [ طه : 106 ، 107 ] من قولهم اندك سنام البعير إذ تفرش على ظهره ، وبعير أدك وناقة دكاء ومنه الدكان وهذه الدكة كالزلزلة . قال أبيّ بن كعب في الآية تصيران غبرة على وجوه الكفار لا على وجوه المؤمنين وذلك قوله : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ تَرْهَقُها قَتَرَةٌ [ عبس : 40 ، 41 ] قال الفراء ولم يقل فدككن لأنه جعل الجبال كلها كالجملة الواحدة ومثله قوله تعالى : أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما [ الأنبياء : 30 ] . فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْواقِعَةُ أي قامت القيامة وَانْشَقَّتِ السَّماءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ أي انشقت جنبها وانصدعت وتفطرت بنزول ما فيها من الملائكة فهي في ذلك اليوم ضعيفة مسترخية ساقطة القوة من هول ذلك اليوم بعد ما كانت محكمة ، قال الزجاج يقال لكل ما ضعف جدا قد وهي فهو واه وقال الفراء وهيها تشقّقها ، وقال ابن عباس واهية متخرقة أي متساقطة خفيفة لا تتماسك كالعهن المنفوش . [ سورة الحاقة ( 69 ) : الآيات 17 إلى 21 ] وَالْمَلَكُ عَلى أَرْجائِها وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ ( 17 ) يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ ( 18 ) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ ( 19 ) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ ( 20 ) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ ( 21 ) وَالْمَلَكُ عَلى أَرْجائِها أي جنس الملك واقفون على أطرافها وجوانبها التي لم تسقط وهؤلاء من جملة المستثنى بقوله : إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ * وقال القاضي لعل هلاك