صديق الحسيني القنوجي البخاري
183
فتح البيان في مقاصد القرآن
الْحَاقَّةُ أي أيّ شيء أعلمك ما هي ؟ أي كأنك لست تعلمها إذ لم تعاينها وتشاهد ما فيها من الأهوال فكأنها خارجة عن دائرة علم المخلوقين ، لا تبلغها دراية أحد منهم ولا وهمه . والنبي صلى اللّه عليه وسلم كان عالما بالقيامة ولكن لا علم له بكنهها وصفتها فقيل له ذلك كأنه ليس عالما بها رأسا ، قال يحيى بن سلام : بلغني أن كل شيء في القرآن وَما أَدْراكَ فقد أدراه إياه وعلمه صلى اللّه عليه وسلم وكل شيء قال فيه وَما يُدْرِيكَ * فإنه ما أخبره به . وقال سفيان بن عيينة : كل ما في القرآن قال فيه : وَما أَدْراكَ فإنه صلى اللّه عليه وسلم أخبر به وكل شيء قال فيه وَما يُدْرِيكَ * فإنه لم يخبر به ذكره الخطيب ، وما مبتدأ وخبره أدراك و مَا الْحَاقَّةُ جملة من مبتدأ وخبر محلها النصب بإسقاط الخافض أدرى يتعدى إلى المفعول الثاني بالباء كما في قوله : وَلا أَدْراكُمْ بِهِ [ يونس : 16 ] فلما وقعت جملة الاستفهام معلقة له كانت في موضع المفعول الثاني وبدون الهمزة يتعدى إلى مفعول واحد بالباء نحو دريت بكذا وإن كان بمعنى العلم تعدى إلى مفعولين والجملة معطوفة على جملة ما الحاقة . كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعادٌ بِالْقارِعَةِ أي بالقيامة وسميت بذلك لأنها تقرع قلوب الناس بشدة أهوالها وتؤثر فيها خوفا وفزعا كتأثير القرع المحسوس ، فإن القرع في اللغة نوع من الضرب وهو إمساس جسم لجسم بعنف ، وفي المصباح وقرعت الباب من باب نفع طرقته ونقرت عليه وقال المبرد : عنى بالقارعة القرآن الذي نزل في الدنيا على أنبيائهم ، وكانوا يخوفونهم بذلك فيكذبونهم ، وقيل القارعة مأخوذة من القرعة لأنها ترفع أقواما وتحط آخرين والأول أولى ، ويكون وضع ضمير الحاقة للدلالة على عظيم هولها وفظاعة حالها ، والجملة مستأنفة لبيان بعض أحوال الحاقة . [ سورة الحاقة ( 69 ) : الآيات 5 إلى 9 ] فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ ( 5 ) وَأَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ ( 6 ) سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ ( 7 ) فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ ( 8 ) وَجاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكاتُ بِالْخاطِئَةِ ( 9 ) فَأَمَّا ثَمُودُ هم قوم صالح وكانت منازلهم بالحجر ، بين الشام والحجاز ، وقال ابن إسحاق هو وادي القرى والمقصود من ذكر هذه القصص زجر هذه الأمة عن الاقتداء بهؤلاء الأمم في المعاصي لئلا يحل بها ما حل بهم . فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ هي الصيحة التي تجاوزت الحد وهي صيحة جبريل ، وقيل الرجفة أي الزلزلة ، وقيل هي الفرقة التي عقرت الناقة فأهلك قوم ثمود بسببهم وقال ابن زيد : الطاغية عاقر الناقة أن أهلكوا بما أقدم عليه طاغيتهم من عقر الناقة وكان واحدا وإنما أهلكوا جميعا لأنهم علموا بفعله ورضوا به ، وقيل له طاغيه كما يقال