صديق الحسيني القنوجي البخاري
184
فتح البيان في مقاصد القرآن
فلان راوية الشعر ، وداهية وعلامة ونسابة ، وقيل الطاغية مصدر كالعافية أي بطغيانهم وكفرهم ، ولكن هذا لا يطابق قوله : وَأَمَّا عادٌ هم قوم هود ، وقد تقدم بيان هذا وذكر منازلهم وأين كانت في غير موضع وهي الأحقاف وهو رمل بين عمان وحضرموت باليمن ، وقدم ذكر ثمود لأن بلادهم أقرب إلى قريش ، وواعظ القريب أكبر ، ولأن إهلاكهم بالصيحة وهي أشبه النفخ في الصور . فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ أي بالدبور صَرْصَرٍ هي الشديدة البرد مأخوذ من الصر وهو البرد ، وقيل الشديدة الصوت وقال مجاهد الشديدة السموم عاتِيَةٍ عن الطاعة فكأنها عتت على خزانها فلم تطعهم ولم يقدروا على ردها لشدة هبوبها أو عتت على عاد فلم يقدروا على ردها بل أهلكتهم . قال ابن عباس ما أرسل اللّه شيئا من ريح إلا بمكيال ولا قطرة من ماء إلا بمكيال إلا يوم عاد ويوم قوم نوح ، فأما يوم نوح فإن الماء طغى على خزانه فلم يكن لهم عليه سبيل ، ثم قرأ إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ [ الحاقة : 11 ] وأما يوم عاد فإن الريح عتت على خزانها فلم يكن لهم عليها سبيل ثم قرأ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ وعنه قال عاتية غالبة ، وعن علي بن أبي طالب نحوه . وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن عباس عن النبي صلى اللّه عليه وسلم : « قال نصرت بالصبا وأهلكت عاد الدبور » « 1 » ، وعن ابن عمر مرفوعا « قال ما أمر الخزان على عاد إلّا مثل موضع الخاتم من الريح فعتت على الخزان فخرجت من نواحي الأبواب فذلك قوله : بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ قال عتوها عتت على الخزان » أخرجه ابن أبي حاتم . سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ أي سلطها كذا قال مقاتل ، وقيل أرسلها وقال الزجاج أقامها عليهم كما شاء ، والتسخير استعمال الشيء بالاقتدار ، وفيه رد على من قال أن سبب ذلك كان باتصال الكواكب ، فنفى هذا المذهب بقوله : سَخَّرَها عَلَيْهِمْ وبين اللّه تعالى أن ذلك بقضائه وقدره وبمشيئته لا باتصال الكواكب ، ذكره الخازن ، والجملة مستأنفة لبيان كيفية إهلاكهم ، ويجوز أن تكون صفة لريح أو تكون حالا منها لتخصيصها بالصفة أو من الضمير في عاتية . وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً معطوف على سبع ليال وانتصاب حسوما على الحال أي ذات حسوم أو على المصدر لفعل مقدر أي تحسمهم حسوما أو على أنه مفعول له أو
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الاستسقاء باب 26 ، والمغازي باب 29 ، وبدء الخلق باب 5 ، والأنبياء باب 1 ، ومسلم في الاستسقاء حديث 17 ، وأحمد في المسند 1 / 223 ، 228 ، 324 ، 341 ، 355 ، 373 .