صديق الحسيني القنوجي البخاري

180

فتح البيان في مقاصد القرآن

المذمومية لم تحصل أو المراد منه ترك الأفضل ، فإن حسنات الأبرار سيئآت المقربين ، أو هذه الواقعة كانت قبل النبوة لقوله تعالى : فَاجْتَباهُ رَبُّهُ أي استخلصه واصطفاه لدعائه وعذره واختاره لنبوته ، وهذا مبني على أنه وقت هذه الواقعة لم يكن نبيا ، وإنما نبىء بعدها وهو أحد قولين للمفسرين ، والثاني أنه كان نبيا ومعنى اجتباه أنه رد عليه الوحي بعد أن كان قد انقطع عنه فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ أي من الكاملين في الصلاح وعصمه من الذنب ، وقيل رد إليه النبوة وشفعه في نفسه وفي قومه وقبل توبته وأرسله إلى مائة ألف أو يزيدون بسبب صبره كما تقدم . وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ أي ينفذونك قاله ابن عباس ، وإن هي المخففة من الثقيلة ، قرأ الجمهور بضم الياء من أزلقه أي أزل رجله ، يقال أزلقه عن موضعه إذا نحاه ، وقرأ نافع وأهل المدينة بفتحها من زلق عن موضعه إذا تنحى وهما سبعيتان ، قال الهروي أي يغتالونك بعيونهم فيزلقونك عن مكانك الذي أقامك اللّه فيه عداوة لك ، وقرأ ابن عباس وابن مسعود وغيرهما ليرهقونك أي يهلكونك ، وقال الكلبي : يزلقونك أي يصرفونك عما أنت عليه من تبليغ الرسالة وكذا قال السدي وسعيد بن جبير : وقال النضر بن شميل والأخفش : يفتنونك ، وقال الحسن وابن كيسان : ليقتلونك . بِأَبْصارِهِمْ أي ينظرون إليك نظرا شديدا يكاد أن يصرعك ويسقطك عن مكانك والباء إما للتعدية كالداخلة على الآلة أي جعلوا أبصارهم كالآلة المزلقة لك كما تقول عملت بالقدوم ، وإما للسببية أي بسبب عيونهم ، قال الزجاج : في الآية مذهب أهل اللغة والتأويل أنهم من شدة إبغاضهم وعداوتهم يكادون بنظرهم نظر البغضاء أن يصرعوك . وهذا مستعمل في الكلام يقول القائل نظر إلي نظرا يكاد يصرعني ونظرا يكاد يأكلني ، قال ابن قتيبة : ليس يريد اللّه أنهم يصيبونك بأعينهم كما يصيب العائن بعينه ما يعجبه . وإنما أراد أنهم ينظرون إليك إذا قرأت القرآن نظرا شديدا بالعداوة والبغضاء يكاد يسقطك كما قال الشاعر : يتقارضون إذا التقوا في مجلس * نظرا يزيل مواطىء الأقدام « 1 » وقيل : « أرادوا أن يصيبوه بالعين فنظر إليه قوم من قريش المجربة إصابتهم فعصمه اللّه وحماه من أعينهم فلم تؤثر فيه فنزلت هذه الآية » ؛ وذكر الماوردي أن

--> ( 1 ) البيت من الكامل ، وهو بلا نسبة في لسان العرب ( قرض ) ( زلق ) ، وتاج العروس ( قرض ) ، ( زلق ) وتهذيب اللغة 8 / 342 ، 432 ، ومقاييس اللغة 3 / 21 ، ويروى : « إذا التقوا من موطن » بدل : « إذا التقوا في مجلس » .