صديق الحسيني القنوجي البخاري

166

فتح البيان في مقاصد القرآن

حين يتميز الحق من الباطل ، وقيل في الدنيا بظهور عاقبة أمرك بغلبة الإسلام واستيلائك عليهم بالقتل والنهب ، وهذا وعد له ووعيد لهم . بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ قال الخطيب : ترسم بأيكم ههنا بيائين انتهى ، والباء زائدة للتأكيد أي أيكم المفتون بالجنون كذا قال الأخفش وأبو عبيدة وغيرهما إلا أنه ضعيف من حيث إن الباء لا تزاد في المبتدأ إلا في بحسبك فقط ، وقيل ليست الباء زائدة ، والمفتون مصدر جاء على مفعول كالمعقول والميسور ، والتقدير بأيكم الفتون أو الفتنة ، وقال الفراء ومجاهد : إن الباء بمعنى في فهي ظرفية أي في أيكم الفتون في الفريق الذي أنت فيه أم في الفريق الآخر ، ويؤيد هذا قراءة ابن أبي عبلة بفي . وقيل في الكلام حذف مضاف أي بأيكم فتن المفتون فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه ، روي هذا عن الأخفش أيضا تكون الباء سببية وقيل المفتون المعذب . من قول العرب فتنت الذهب بالنار إذا أحميته ومنه قوله تعالى : يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ [ الذاريات : 13 ] وقيل المفتون هو الشيطان ، لأنه مفتون في دينه والمعنى بأيكم الشيطان ، قال ابن عباس : كانوا يقولون إنه شيطان وإنه مجنون ، وعنه قال : المفتون المجنون ، وقال قتادة ومقاتل : هذا وعيد لهم بعذاب يوم بدر ، والمعنى سترى ويرى أهل مكة إذا نزل بهم العذاب ببدر بأيكم المفتون . [ سورة القلم ( 68 ) : الآيات 7 إلى 14 ] إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ( 7 ) فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ ( 8 ) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ ( 9 ) وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَهِينٍ ( 10 ) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ ( 11 ) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ ( 12 ) عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ ( 13 ) أَنْ كانَ ذا مالٍ وَبَنِينَ ( 14 ) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ تعليل للجملة التي قبلها فإنها تتضمن الحكم عليهم بالجنون لمخالفتهم لما فيه نفعهم في العاجل والآجل ، واختيارهم ما فيه ضرهم فيهما ، وتأكيد لما فيه من الوعد والوعيد ، والمعنى هو أعلم بمن ضل عن سبيله الموصل إلى سعادة الدارين وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ إلى سبيله الموصل إلى تلك السعادة الآجلة والعاجلة فهو مجاز كل عامل بعمله إن خيرا فخير وإن شرا فشر . فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ الفاء لترتيب النهي على ما ينبئ عنه ما قبله من اهتدائه صلى اللّه عليه وسلم وضلالهم ، أو على جميع ما فصل من أول السورة ، وهذا تهييج للتصميم على مباينتهم ، نهاه سبحانه عن ممايلة المشركين وهم رؤساء كفار مكة لأنهم كانوا يدعونه إلى دين آبائه فنهاه اللّه عن طاعتهم ، أو هو تعريض لغيره عن أن يطيع الكفار أو المراد بالطاعة مجرد المداراة بإظهار خلاف ما في الضمير فنهاه اللّه عن ذلك كما يدل عليه قوله . وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ فإن الإدهان هو الملاينة والمسامحة والمداراة ، قال