صديق الحسيني القنوجي البخاري

165

فتح البيان في مقاصد القرآن

للقسم أي ما أنت ونعمة ربك بمجنون ، وقيل النعمة هنا الرحمة ، والآية رد على الكفار حيث قالوا : يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ [ الحجر : 6 ] . وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً أي ثوابا على ما تحملت من أثقال النبوة وقاسيت من أنواع الشدائد غَيْرَ مَمْنُونٍ أي غير مقطوع ، يقال مننت الحبل إذا قطعته وقال مجاهد غير محسوب ، وقال الحسن غير مكدر بالمن ، وقال الضحاك أجرا بغير عمل وقيل غير مقدر ، وقيل غير ممنون به عليك من جهة الناس ، وقيل غير منقوص . وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ قيل هو الإسلام والدين ، حكاه الواحدي عن الأكثرين ، قال الحفناوي أقسم أولا بالقلم ثم بسطر الملائكة أو بمسطورهم ، فالمقسم به شيئان على ثلاثة أشياء نفي الجنون عنه وثبوت الأجر له وكونه على دين الإسلام ، وقيل هو القرآن ، روي هذا عن الحسن والعوفي ، وقال قتادة : هو ما كان يأتمر به من أمر اللّه وينتهي عنه من نهي اللّه ، قال الزجاج المعنى أنك على الخلق الذي أمرك اللّه به في القرآن ، وقيل هو لرفقه بأمته وإكرامه إياهم ، وقيل المعنى إنك على طبع كريم ، قال الماوردي وهذا هو الظاهر وحقيقة الخلق في اللغة ما يأخذ الإنسان نفسه به من الأدب . عن سعد بن هشام قال : أتيت عائشة فقلت : يا أم المؤمنين « أخبريني بخلق رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قالت : كان خلقه القرآن » أما تقرأ القرآن إِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ « 1 » ، أخرجه مسلم وابن المنذر والحاكم وغيرهم ، وعنها قالت : « ما كان أحد أحسن خلقا من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ما دعاه أحد من أصحابه ولا من أهل بيته إلا قال لبيك ، فلذلك أنزل اللّه وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ » أخرجه ابن مردويه وابن نعيم في الدلائل والواحدي . وعن أبي الدرداء قال : « سئلت عائشة عن خلق رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقالت : كان خلقه القرآن يرضى لرضاه ويسخط لسخطه » أخرجه البيهقي في الدلائل وابن مردويه وابن المنذر . وعن أبي عبد اللّه الحدلي قال : « قلت لعائشة : كيف خلق رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قالت : لم يكن فاحشا ولا متفاحشا ولا صخابا في الأسواق ولا يجزي بالسيئة السيئة . ولكن يعفو ويصفح » « 2 » . أخرجه ابن أبي شيبة والترمذي وصححه وابن مردويه . وقيل غير ذلك مما يطول ذكره وهو في كتب الشمائل والسير مستوفى . فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ أي ستبصر يا محمد ويبصر الكفار إذا تبين الحق وانكشف الغطاء ، وذلك يوم القيامة ، قال ابن عباس : أي ستعلم ويعلمون يوم القيامة

--> ( 1 ) أخرجه مسلم في المسافرين حديث 139 ، وأحمد في المسند 6 / 51 ، 52 . ( 2 ) أخرجه الترمذي في البر باب 47 ، 69 .