صديق الحسيني القنوجي البخاري

154

فتح البيان في مقاصد القرآن

قال ابن عباس في الآية : هم أبو بكر وعمر وعلي وأبو عبيدة بن الجراح ، أخرجه ابن مردويه لَهُمْ مَغْفِرَةٌ عظيمة يغفر اللّه بها ذنوبهم وَأَجْرٌ كَبِيرٌ لا يقادر قدره وهو الجنة ، ومثل هذه الآية قوله : مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ [ ق : 33 ] وظاهر الآية العموم . ثم عاد سبحانه إلى خطاب الكفار فقال : وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ مستأنفة مسوقة لبيان تساوي الأسرار والجهر بالنسبة إلى علم اللّه سبحانه . والمعنى إن أخفيتم كلامكم أو جهرتم به في أمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فكل ذلك يعلمه اللّه لا تخفى عليه منه خافية ، وتقديم السر على الجهر للإيذان بافتضاحهم ووقوع ما يحذرونه من أول الأمر ، والمبالغة في بيان شمول علمه المحيط بجميع المعلومات كان علمه تعالى بما يسرونه أقدم منه بما يجهرون به مع كونها في الحقيقة على السوية . فإن علمه تعالى بمعلومات ليس بطريق حصول صورها بل وجود كل شيء في نفسه علم بالنسبة إليه تعالى ، أو لأن مرتبة السر متقدمة على مرتبة الجهر إذ ما من شيء يجهر به إلا وهو أو مباديه مضمر في القلب يتعلق به الإسرار غالبا فتعلق علمه تعالى بحالته الأولى متقدم على تعلقه بحالته الثانية . وقوله : إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ تعليل للاستواء المذكور وتقرير له ، وفي صيغة الفعيل وتحلية الصدور بلام الاستغراق ووصف الضمائر بصاحبيتها من الجزالة ما لا غاية وراءه ، كأنه قيل : إنه مبالغ في الإحاطة بمضمرات جميع الناس وأسرارهم الخفية المستكمنة في صدورهم بحيث لا تكاد تفارقها أصلا ، فكيف يخفى عليه ما تسرونه وتجهرون به ، ويجوز أن يراد بذات الصدور القلوب التي في الصدور ، والمعنى إنه عليم بالقلوب وأحوالها فلا يخفى عليه سر من أسرارها . أَ لا يَعْلَمُ الاستفهام للإنكار والمقصود نفي عدم إحاطة علمه تعالى بالمضمر والمظهر والمعنى ألا يعلم السر ومضمرات القلوب مَنْ خَلَقَ ذلك وأوجده ، فالموصول عبارة عن الخالق ، ويجوز أن يكون عبارة عن المخلوق ، وفي يَعْلَمُ ضمير يعود إلى اللّه المخلوق الذي هو من جملة خلقه فإن الأسرار والجهر ومضمرات القلوب من جملة خلقه وفيه إثبات خلق الأقوال فيكون دليلا على خلق أفعال العباد ، وقال أبو بكر بن الأصم وجعفر بن حرب : « من » مفعول والفاعل مضمر وهو اللّه تعالى ، فاحتالا بهذا لنفي خلق الأفعال وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أي الذي لطف علمه بما في القلوب الخبير بما تسره وتضمره من الأمور لا تخفى عليه من ذلك خافية . ثم امتن سبحانه على عباده فقال : هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا أي سهلة لينة مذللة تستقرون عليها منقادة لما تريدون منها من مشي عليها ، وزرع وحبوب وغرس