صديق الحسيني القنوجي البخاري

155

فتح البيان في مقاصد القرآن

وغير ذلك ، ولم يجعلها خشنة بحيث يمتنع عليكم السكون والمشي عليها ، والذلول في الأصل هو المنقاد الذي يذل لك ولا يستصعب عليك ، والمصدر الذل ، وتقديم « لكم » على مفعولي الجعل مع أن حقه التأخر عنهما للاهتمام بما قدم والتشويق إلى ما أخر ، فإن ما حقه التقديم إذا أخر لا سيما عند كون المقدم مما يدل على كون المؤخر من منافع المخاطبين تبقى النفس مترقبة لوروده فيتمكن لديها عند ذكره فضل تمكن . فَامْشُوا فِي مَناكِبِها استدلالا واسترزاقا ، والفاء لترتيب الأمر بالمشي على الجعل المذكور والأمر للإباحة قال مجاهد والكلبي ومقاتل مناكبها طرقها وأطرافها ونواحيها وجوانبها ، وقال قتادة وشهر بن حوشب : مناكبها جبالها وقيل : فجاجها وبه قال ابن عباس ، وقال أيضا : أطرافها ، وأصل المنكب الجانب ومنه منكب الرجل ومنه الريح النكباء لأنها تأتي من جانب دون جانب . وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ أي مما رزقكم وخلقه لكم والتمسوا من نعم اللّه تعالى . عن ابن عمر قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه يحب العبد المؤمن المحترف » أخرجه الطبراني وابن عدي والبيهقي في الشعب والحكيم الترمذي وَإِلَيْهِ لا إلى غيره النُّشُورُ من قبوركم للجزاء فيسألكم عن شكر ما أنعم عليكم ، فبالغوا في شكر نعمه وآلائه ، وفي هذا وعيد شديد . [ سورة الملك ( 67 ) : الآيات 16 إلى 21 ] أَ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذا هِيَ تَمُورُ ( 16 ) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ ( 17 ) وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ ( 18 ) أَ وَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرَّحْمنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ ( 19 ) أَمَّنْ هذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ إِنِ الْكافِرُونَ إِلاَّ فِي غُرُورٍ ( 20 ) أَمَّنْ هذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ ( 21 ) ثم خوف سبحانه الكفار فقال : أَ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ قال الواحدي قال المفسرون : يعني عقوبة من في السماء ، وقيل : من في السماء عرشه وقدرته وسلطانه أي محل سلطانه ومحل قدرته ، وهو العالم العلوي ، وخص بالذكر وإن كان كل موجود محلا للتصرف فيه ومقدورا له تعالى لأن العالم العلوي أعجب وأغرب ، فالتخويف به أشد من التخويف بغيره . وقيل : الملائكة وقيل : المراد جبريل وقيل : هو اللّه سبحانه وهو الحق ، لأن ظاهر النظم القرآني يقتضي أن الباري تعالى فوق السماء « وفي » بمعنى على والمعنى من ثبت واستقر في السماء أي على العالي وهو العرش ، قرأ الجمهور أأمنتم بهمزتين وقرىء بالتخفيف وبقلب الأولى واوا .