صديق الحسيني القنوجي البخاري
153
فتح البيان في مقاصد القرآن
علينا من الآيات إفراطا في التكذيب ما نَزَّلَ اللَّهُ على أحد مِنْ شَيْءٍ من الأشياء فضلا عن تنزيل الآيات على ألسنتكم من الوعد والوعيد وغيرهما . إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ أي في ذهاب عن الحق وبعد عن الصواب . وخطأ عظيم لا يقادر قدره . وهذا يحتمل أن يكون من كلام الكفار للنذر ، وأن يكون من كلام الخزنة للكفار على إرادة القول ، ومرادهم بالضلال الهلاك أو سموا جزاء الضلال باسمه كما يسمى جزاء السيئة والاعتداء سيئة ، وهذا يسمى المشاكلة في علم البيان ، وأن يكون من كلام الرسل للكفرة وقد حكوه للخزنة ، والاحتمال الأول هو الذي استظهره جمهور المفسرين . ثم حكى اللّه عنهم مقالة أخرى قالوها بعد تلك المقالة فقال : وَقالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ ما خاطبنا به الرسل أَوْ نَعْقِلُ شيئا من ذلك ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ أي في عداد أهل النار ، ومن جملة من يعذب بالسعير وهم الشياطين كما سلف ، قال الزجاج : لو كنا نسمع سماع من يعي ، أو نعقل عقل من يميز وينظر ما كنا من أهل النار ، وفيه دليل على أن مدار التكليف على أدلة السمع والعقل وأنهما حجتان ملتزمتان . [ سورة الملك ( 67 ) : الآيات 11 إلى 15 ] فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لِأَصْحابِ السَّعِيرِ ( 11 ) إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ( 12 ) وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ( 13 ) أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ( 14 ) هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ( 15 ) فلما اعترفوا هذا الاعتراف قال اللّه سبحانه : فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ الذي استحقوا به عذاب النار وهو الكفر وتكذيب الأنبياء فَسُحْقاً لِأَصْحابِ السَّعِيرِ أي فبعدا لهم من اللّه ورحمته ، قال ابن عباس : سحقا بعدا وقال سعيد بن جبير وأبو صالح : هو واد في جهنم يقال له السحق ، قرأ الجمهور سحقا بإسكان الحاء وقرىء بضمها وهما لغتان مثل السحت والرعب ، وسحقا منصوب على المفعول به أي ألزمهم اللّه سحقا ، وقال الزجاج وأبو علي الفارسي : منصوب على المصدر أن أسحقهم اللّه سحقا ، وقال أبو علي الفارسي : كان القياس إسحاقا فجاء المصدر على الحذف ، واللام في لِأَصْحابِ السعير للبيان كما في هَيْتَ لَكَ [ يوسف : 23 ] . ولما فرغ سبحانه من ذكر أحوال أهل النار شرع في ذكر أحوال أهل الجنة فقال : إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ حال من الفاعل أو من المفعول أي غائبين عنه أو غائبا عنهم والمعنى أنهم يخشون عذابه ولم يروه فيؤمنون به خوفا من عذابه ، ويجوز أن يكون المعنى يخشون ربهم حال كونهم غائبين عن أعين الناس ، وذلك في خلواتهم فيطيعونه سرا فيكون علانية أولى ، أو المراد بالغيب كون العذاب غائبا عنهم لأنهم في الدنيا وهو إنما يكون يوم القيامة ، والباء على هذا سببية .