صديق الحسيني القنوجي البخاري

143

فتح البيان في مقاصد القرآن

وعن ابن عمر عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « إن اللّه يقبل توبة العبد ما لم يغرغر » « 1 » أخرجه الترمذي وحسنه . عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ بسبب تلك التوبة جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ معطوف على يكفر منصوب بناصبه ، وبالنصب قرأ الجمهور ، وقرىء بالجزم عطفا على محل عيسى ، كأنه قال توبوا يوجب تكفير سيئاتكم ، ويدخلكم ، وعسى وإن كان أصلها للإطماع فهي من اللّه واجبة تفضلا وتكرما لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له ، وليس واجبا عقليا يَوْمَ أي يدخلكم يوم لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ أو منصوب باذكر وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ أي صاحبوه في وصف الإيمان معطوف على النبي ، وقيل : الموصول مبتدأ وخبره قوله : نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ يسعى بِأَيْمانِهِمْ والأول أولى ، وفيه تعريض بمن أخزاهم اللّه من أهل الكفر والجملة حالية أو مستأنفة لبيان حالهم . وقد تقدم في سورة الحديد أن النور يكون معهم حال مشيهم على الصراط والمراد بأيمانهم جهاتهم كلها والتقييد بالإمام والإيمان لا ينفي أن لهم نورا على شمائلهم ، بل لهم نور لكن لا يلتفتون إليه ، لأنهم إما من السابقين فيمشون فيما هو أمامهم ، وإما من أهل اليمين فيمشون فيما هو عن أيمانهم ، عن ابن عباس في الآية قال : ليس أحد من الموحدين لا يعطي نورا يوم القيامة ، فأما المنافق فيطفىء نوره ، وما من مشفق مما رأى من إطفاء نور المنافق ، قال ابن مسعود : يمرون على صراط على قدر أعمالهم ، يمرون على الصراط منهم من نوره مثل الجبل ، ومنهم من نوره مثل النخلة ، وأدناهم نورا من نوره في إبهامه ذكره السيوطي في البدور السافرة . يَقُولُونَ خبر ثان أو حال : رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا وَاغْفِرْ لَنا إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ هذا دعاء المؤمنين حين إطفاء اللّه نور المنافقين كما تقدم بيانه وتفصيله . يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ بالسيف والرمح وَالْمُنافِقِينَ بالحجة والوعظ البليغ ، وقد تقدم الكلام على هذه الآية في سورة براءة وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ بالانتهار والزجر ، والمقت والبغض ، أي شدد عليهم في الدعوة والخطاب والقتال والمحاجة باللسان ، واستعمل الخشونة في أمرهم بالشرائع ، ولا تعاملهم باللين ، وقال الحسن : أي جاهدهم بإقامة الحدود عليهم ، فإنهم كانوا يرتكبون موجبات الحدود وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ أي مصير الكفار والمنافقين إليها وَبِئْسَ الْمَصِيرُ أي المرجع الذي يرجعون إليه . [ سورة التحريم ( 66 ) : الآيات 10 إلى 12 ] ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ ( 10 ) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ( 11 ) وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وَكُتُبِهِ وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ ( 12 )

--> ( 1 ) أخرجه الترمذي في الدعوات باب 98 ، وابن ماجة في الزهد باب 30 ، ومالك في الحدود حديث 2 ، وأحمد في المسند 2 / 132 ، 153 ، 3 / 425 ، 5 / 174 .