صديق الحسيني القنوجي البخاري
144
فتح البيان في مقاصد القرآن
ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا قد تقدم غير مرة أن المثل قد يراد به إيراد حالة غريبة تعرف بها حالة أخرى مماثلة لها في الغرابة ، أي جعل اللّه مثلا لحال هؤلاء الكفار في أنهم يعاقبون لكفرهم ، وأنه لا يغني أحد عن أحد امْرَأَتَ نُوحٍ واسمها وأهلة ، وقيل : وآلهة وَامْرَأَتَ لُوطٍ واسمها واعلة ، وقيل : والعة ، وهذا هو المفعول الأول ، ( ومثلا ) المفعول الثاني حسبما قدمنا تحقيقه ، وإنما أخر ليتصل به ما هو تفسير له وإيضاح لمعناه ، وترسم ( امرأة ) في هذه المواضع الثلاثة ( وابنت ) بالتاء المجرورة ، ويوقف عليهم بالهاء والتاء . كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ وهما نوح ولوط عليهما السلام ، أي كانتا في عصمة نكاحهما ، وهذه جملة مستأنفة كأنها مفسرة لضرب المثل ، ولم يؤت بضميرهما فيقال : تحتهما لما قصد من تشريفهما بهذه الإضافة الشريفة وفي ذلك مبالغة في المعنى المقصود وهو أن الإنسان لا ينفعه عادة إلا صلاح نفسه لا صلاح غيره ، وإن كان ذلك الغير في أعلى مراتب الصلاح والقرب من اللّه تعالى فَخانَتاهُما أي فوقعت منهما الخيانة لهما . قال ابن عباس : « ما بغت امرأة نبي قط » ، ورواه ابن عساكر مرفوعا . عنه قال : « ما زنتا ، أما خيانة امرأة نوح فكانت تقول للناس : إنه مجنون ، وأما خيانة امرأة لوط ، فكانت تدل على الضيف فتلك خيانتهما » . وقال عكرمة والضحاك : بالكفر ، وقد وقعت الأدلة الإجماعية على أنها ما زنت امرأة نبي قط ، وقيل : كانت خيانتهما النفاق وقيل : خانتاهما بالنميمة . فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أي فلم ينفعهما نوح ولوط بسبب كونهما زوجتين لهما شيئا من النفع ، ولا دفعا عنهما من عذاب اللّه مع كرامتهما على اللّه ، ونبوتهما شيئا من الدفع ، وفيه تنبيه على أن العذاب يدفع بالطاعة لا بالوسيلة وَقِيلَ أي ويقال لهما في الآخرة أو عند موتهما : ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ لها من أهل الكفر والمعاصي ، وقال يحيى بن سلام : ضرب اللّه مثلا للذين كفروا يحذر به عائشة ، وحفصة من المخالفة لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حين تظاهرتا عليه ، وما أحسن ما قال ، فإن ذكر امرأتي النبيين بعد ذكر قصتهما