صديق الحسيني القنوجي البخاري
141
فتح البيان في مقاصد القرآن
عَلَيْها مَلائِكَةٌ أي على النار خزنة من الملائكة يولون أمرها وتعذيب أهلها ، وهم الزبانية غِلاظٌ على أهل النار شِدادٌ عليهم لا يرحمونهم إذا استرحموهم ، لأن اللّه سبحانه وتعالى خلقهم من غضبه ، وحبب إليهم تعذيب خلقه ، وقيل : غلاظ الأقوال شداد الأفعال ، وقيل : الغلاظ ضخام الأجسام والشداد الأقوياء ، وقيل : المراد غلاظ القلوب شداد الأبدان ، من غلظ القلب أي قسوته ، لا من غلظ الجسم ولا من غلظ القول . عن أبي عمران الجوني قال : « بلغنا أن خزنة النار تسعة عشر ما بين منكب أحدهم مسيرة مائة خريف ، ليس في قلوبهم رحمة إنما خلقوا للعذاب يضرب الملك منهم الرجل من أهل النار الضربة فيتركه طحنا من لدن قرنه إلى قدمه » أخرجه عبد اللّه بن أحمد في زوائد الزهد . لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ أي لا يخالفونه في أمره وما موصولة ، والعائد محذوف ، أي لا يعصون اللّه الذي أمرهم به ، أو مصدرية أي لا يعصون اللّه أمره على أن يكون ما أمرهم بدل اشتمال من الاسم الشريف ، أو على تقدير نزع الخافض ، أي لا يعصون اللّه في أمره وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ به أي يؤدونه في وقته من غير تراخ ، لا يؤخرونه عنه ولا يقدمونه ، وليست الجملتان في معنى واحد إذ معنى الأولى أنهم يتقبلون أوامره ويلتزمونها ، ومعنى الثانية أنهم يؤدون ما يؤمرون به ولا يتثاقلون عنه ولا يتوانون فيه ، وقيل : الثانية تأكيد للأولى ، وبه قال المحلي لأن مفادها هو مفادها ، وقيل : الأولى فيما مضى ، والثانية فيما يستقبل ، وصرح بهذا البيضاوي ، والآية تخويف للمؤمنين عن الارتداد ، وللمنافقين المؤمنين بألسنتهم دون قلوبهم . يا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ يقال لهم هذا القول عند إدخالهم النار تأييسا لهم وقطعا لأطماعهم ، لأنه يوم الجزاء ، وقد فات زمان الاعتذار ، وصار الأمر إلى ما صار إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ من الأعمال في الدنيا ، ومثل هذا قوله : فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ [ الروم : 57 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً قرأ الجمهور بفتح النون على الوصف للتوبة أي توبة بالغة في النصح ، وقرىء بضمها أي توبة نصح لأنفسكم ، ويجوز أن يكون جمع ناصح وأن يكون مصدرا ، تنصح صاحبها بترك العود إلى ما ناب عنه ، وصفت بذلك على الإسناد المجازي ، وهو في الأصل وصف للتائبين أن ينصحوا بالتوبة أنفسهم بالعزم على الترك للذنب ، وترك المعاودة له . قال قتادة : التوبة النّصوح الصادقة ، وقيل : الخالصة ، وقال الحسن : التوبة النصوح أن يبغض الذنب الذي أحبه ويستغفر منه إذا ذكره ، وقال الكلبي : التوبة النصوح الندم بالقلب والاستغفار باللسان والإقلاع بالبدن ، والاطمئنان على أن لا يعود