صديق الحسيني القنوجي البخاري
135
فتح البيان في مقاصد القرآن
جحش ويشرب عندها لبنا أو عسلا فتواصيت أنا وحفصة أن أيتنا دخل عليها النبي صلى اللّه عليه وسلم فلتقل : إني أجد منك ريح مغافير فدخل على إحداهما فقالت ذلك له ، فقال : لا بل شربت عسلا عند زينب بنت جحش ، ولن أعود ، فنزلت يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إلى قوله : إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ لعائشة وحفصة ، وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حَدِيثاً لقوله : بل شربت عسلا » « 1 » . وقيل : هي سودة كما روي : عن ابن عباس قال : « كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم شرب من شراب عند سودة من العسل ، فدخل على عائشة فقالت : إني أجد منك ريحا فدخل على حفصة فقالت : إني أجد منك ريحا ، فقال : أراه من شراب شربته عند سودة ، واللّه لا أشربه أبدا فأنزل اللّه هذه الآية » أخرجه ابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه ، قال السيوطي : بسند صحيح . وقيل : هي أم سلمة كما روي عن عبد اللّه بن رافع قال : « سألت أم سلمة عن هذه الآية يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ قالت كانت عندي عكة من عسل أبيض فكان النبي صلى اللّه عليه وسلم يلعق منها ، وكان يحبه فقالت له عائشة نحلها تجرس عرفطا فنزلت هذه الآية » أخرجه ابن سعد وذكره الخطيب والخازن ، وقيل : هي حفصة فواطأت عائشة وسودة وصفية فقلن له إنا نشم منك ريح المغافير ، فحرم العسل فنزلت الآية ، قاله البيضاوي . الثالث قيل : السبب المرأة التي وهبت نفسها للنبي صلى اللّه عليه وسلم فالأولان سببان صحيحان لنزول الآية والجمع ممكن بوقوع القصتين ، قصة مارية وقصة العسل ، وأن القرآن نزل فيهما جميعا ، وفي كل واحد منهما أنه أسر الحديث إلى بعض أزواجه ، وأما الثالث فقال شيخنا الشوكاني : أنه ليس في ذلك إلا ما روى ابن أبي حاتم وابن مردويه . عن ابن عباس قال : « نزلت هذه الآية للمرأة التي وهبت نفسها للنبي صلى اللّه عليه وسلم » ، قال السيوطي : وسنده ضعيف ، ويرد هذا أيضا أن النبي صلى اللّه عليه وسلم لم يقبل تلك الواهبة نفسها ، فكيف يصح أن يقال : إنه نزل في شأنها ؟ فإن من رد ما وهب له لم يصح أن يقال : إنه حرم على نفسه ، وأيضا لا ينطبق على هذا السبب قوله : وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حَدِيثاً إلى آخر ما حكاه اللّه . وأما ما ثبت في الصحيحين وغيرهما أن ابن عباس سأل عمر بن الخطاب عن المرأتين اللتين تظاهرتا على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فأخبره أنهما عائشة وحفصة ثم ذكر قصة الإيلاء كما في الحديث الطويل ، فليس في هذا نفي كون السبب هو ما قدمنا من قصة
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الطلاق باب 8 ، وتفسير سورة 66 ، باب 1 ، والأيمان باب 25 ، ومسلم في الطلاق حديث 20 ، وأبو داود في الأشربة باب 11 ، والنسائي في الطلاق باب 17 ، والأيمان باب 20 ، والنساء باب 4 ، وأحمد في المسند 6 / 221 .