صديق الحسيني القنوجي البخاري

136

فتح البيان في مقاصد القرآن

العسل والسرية ، لأنه إنما أخبره بالمتظاهرتين ، وذكر فيه أن أزواج النبي صلى اللّه عليه وسلم يراجعنه وتهجره إحداهن من اليوم إلى الليل ، وأن ذلك سبب الاعتزال ، لا سبب نزول : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ويؤيد هذا ما قدمنا عن ابن عباس أنه قال لعمر بن الخطاب : من المرأتان اللتان تظاهرتا فأخبره بأنهما حفصة وعائشة وبيّن له أن السبب قصة مارية ، هذا ما تيسر من تلخيص سبب نزول الآية ، ودفع الاختلاف في شأنه ، فاشدد عليه يديك لتنجو به من الخبط والخلط الذي وقع للمفسرين . قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ أي شرع لكم تحليل أيمانكم ، وبيّن لكم الخروج والخلاص منها بالكفارة ، وقول النسفي : أو شرع لكم الاستثناء في أيمانكم من قولك حلل فلان في يمينه إذا استثنى فيها ، وذلك أن يقول : إن شاء اللّه عقيبها حتى لا يحنث ، وتحريم الحلال يمين عندنا انتهى ، وتحلة أصلها تحللة فأدغمت وهي من مصادر التفعيل كالتوصية والتسمية ، فكأن اليمين عقد والكفارة حل لأنها تحل للحالف ما حرمه على نفسه ، قال مقاتل : المعنى قد بيّن اللّه كفارة أيمانكم في سورة المائدة ، أمر اللّه نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يكفر يمينه ، ويراجع وليدته ، فأعتق رقبة . وعن الحسن أنه لم يكفر لأنه صلى اللّه عليه وسلم مغفور له ذكره المحلي والنسفي ، قال الزجاج : وليس لأحد أن يحرم ما أحل اللّه وهذا هو الحق ، إن تحريم ما أحل اللّه لا ينعقد ولا يلزم صاحبه ، فالتحليل والتحريم هو إلى اللّه سبحانه لا إلى غيره ، ومعاتبته لنبيه صلى اللّه عليه وسلم في هذه السورة أبلغ دليل على ذلك ، والبحث طويل ، والمذاهب فيه كثيرة ، والمقالات فيه طويلة وقد حققه الشوكاني في مؤلفاته بما يشفي ، وذكر رضي اللّه عنه في شرحه للمنتقي خمسة عشر قولا ، واختلف العلماء هل مجرد التحريم يمين توجب الكفارة أم لا ؟ وفي ذلك خلاف ، وليس في الآية ما يدل على أنه يمين ، لأن اللّه سبحانه عاتبه على تحريم ما أحله له ، ثم قال : قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ ، وقد ورد في القصة التي ذهب أكثر المفسرين إلى أنها هي سبب نزول الآية حرم أولا ثم حلف ثانيا ، كما قدمنا : عن ابن عباس قال : في الحرام يكفر ، وقال : لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [ الأحزاب : 21 ] ، وعنه أنه جاءه رجل فقال : إني جعلت امرأتي عليّ حراما فقال كذبت ليست عليك بحرام ، ثم تلا لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ؟ قال : عليك أغلظ الكفارات عتق رقبة . وعن عائشة قالت لما حلف أبو بكر أن لا ينفق على مسطح فأنزل اللّه قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ فأحل يمينه ، وأنفق عليه » أخرجه الحرث بن أسامة . وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ أي وليكم وناصركم ، والمتولي لأموركم ، وقيل : مولاكم أولى