صديق الحسيني القنوجي البخاري
123
فتح البيان في مقاصد القرآن
وحذف هذا لدلالة ما قبله عليه ، والأولى أن يقدر مفردا أي فكذلك أو مثلهن ، ولو قيل : إنه معطوف على اللائي يئسن عطف المفردات وأخبر عن الجميع بقوله : فعدتهن لكان وجها حسنا وأكثر ما فيه توسط الخبر بين المبتدأ وما عطف عليه ، وهذا ظاهر قول الشيخ أبي حيان . وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ أي انتهاء عدتهن وضع الحمل وظاهر الآية أن عدة الحوامل بالوضع سواء كن مطلقات أو متوفى عنهن أزواجهن ، وعمومها باق فهي مخصصة لآية يتربصن بأنفسهن ، أي ما لم يكن حوامل ، وإنما لم يعكس لأن المحافظة على عموم هذه الآية أولى من المحافظة على عموم تلك ، لأن أزواجا في آية البقرة عمومه بدلي ، لا يصلح لجميع الأفراد في حال واحد ، لأنه جمع منكر في سياق الإثبات ، وأما أولات الأحمال فعمومه شمولي ، لأن الموصول من صيغ العموم ، وأيضا الحكم هنا معلل بوصف الحملية بخلاف ما هناك ، وأيضا هذه الآية متأخرة في النزول عن آية البقرة فتقديمها على تلك تخصيص ، وتقديم تلك فيما لو عمل بعمومها رفع لما في الخاص من الحكم ، فهو نسخ ، والتخصيص أولى منه ، وقد تقدم الكلام على هذا في سورة البقرة مستوفى ، وحققنا البحث في هذه الآية وفي الآية الأخرى : وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً [ البقرة : 234 ] . عن أبيّ بن كعب في الآية قال : « قلت للنبي صلى اللّه عليه وسلم : أهي المطلقة ثلاثا ؟ أو المتوفى عنها ؟ قال هي المطلقة ثلاثا والمتوفى عنها » . أخرجه عبد اللّه بن أحمد في زوائد المسند ، وأبو يعلى وغيرهما . وروي بوجه آخر مرفوعا عنه ، وعن ابن مسعود أنه بلغه أن عليا قال : « تعتد آخر الأجلين فقال : من شاء لاعنته إن الآية التي في سورة النساء القصرى نزلت بعد سورة البقرة وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ بكذا وكذا شهرا وكل مطلقة أو متوفى عنها زوجها فأجلها أن تضع حملها » ، وروي منه نحو هذا من طرق ، وبعضها في صحيح البخاري . وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أم سلمة « أن سبيعة الأسلمية توفي عنها زوجها وهي حبلى فوضعت بعد موته بأربعين ليلة ، فخطبت فأنكحها صلى اللّه عليه وسلم » « 1 » وفي الباب أحاديث . وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً أي من يتقه في امتثال أوامره واجتناب
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في تفسير سورة 65 ، باب 2 ، ومسلم في القسامة حديث 37 .