صديق الحسيني القنوجي البخاري
118
فتح البيان في مقاصد القرآن
فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ بإيرادها موارد الهلاك وأوقعها في مواقع الضرر بعقوبة اللّه على مجاوزته لحدوده وتعديه لرسمه ، وقال البيضاوي : أي بأن عرضها للعقاب ، وقال أبو السعود : تفسير الظلم بتعريضها للعقاب يأباه قوله : لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً فإنه استئناف مسوق لتعليل مضمون الشرطية ، وقد قالوا : إن الأمر الذي يحدثه اللّه تعالى أن يقلب قلبه عما فعله بالتعدي إلى خلافه ، فلا بد أن يكون الظلم عبارة عن ضرر دنيوي يلحقه بسبب تعديه ، ولا يمكن تداركه ، أو عن مطلق الضرر الشامل للدنيوي والأخروي ، ويخص التعليل بالدنيوي لكون احتراز الناس منه أشد ، واهتمامهم بدفعه أقوى والخطاب للمتعدي بطريق الالتفات لمزيد الاهتمام بالزجر عن التعدي لا للنبي عليه الصلاة والسلام كما توهم ، فالمعنى ومن يتعد حدود اللّه فقد أضر نفسه ، فإنك لا تدري أيها المتعدي عاقبة الأمر لعل اللّه يحدث في قلبك بعد ذلك الذي فعلت من التعدي أمرا يقتضي خلاف ما فعلته ، فيبدل ببغضها محبة وبالإعراض عنها إقبالا إليها ويتسنى تلافيه رجعة واستئناف نكاح . قال القرطبي : قال جميع المفسرين : أراد بالأمر هنا الرغبة في الرجعة ، والمعنى التحريض على طلاق الواحدة أو الاثنتين ، والنهي عن الثلاث ، فإنه إذا طلق ثلاثا أضر بنفسه عند الندم على الفراق ، والرغبة في الارتجاع . فلا يجد إلى المراجعة سبيلا ، وقال مقاتل : بعد ذلك أي بعد طلقة أو طلقتين أمرا بالمراجعة ، قال الواحدي : الأمر الذي يحدث أن يوقع في قلب الرجل المحبة لرجعتها بعد الطلقة والطلقتين . قال الزجاج : إذا طلقها ثلاثا في وقت واحد فلا معنى لقوله : لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً قالت فاطمة بنت قيس في الآية هي الرجعة . عن محارب بن دثار أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « ما أحل اللّه شيئا أبغض إليه من الطلاق » أخرجه أبو داود مرسلا . وروى الثعلبي من حديث ابن عمر قال : « قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إن من أبغض الحلال إلى اللّه الطلاق » « 1 » . وعن علي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « تزوجوا ولا تطلقوا فإن الطلاق يهتز منه العرش » . وعن أبي موسى قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « لا تطلقوا النساء إلا من ريبة فإن اللّه عز وجل لا يحب الذواقين ولا الذواقات » . عن أنس قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « ما حلف بالطلاق ولا استحلف به إلا منافق » اه . أقول أما حديث ابن عمر فقد رواه أبو داود وابن ماجة عن عبد اللّه بن عمر بن
--> ( 1 ) أخرجه أبو داود في الطلاق باب 3 ، وابن ماجة في الطلاق باب 1 .