صديق الحسيني القنوجي البخاري
111
فتح البيان في مقاصد القرآن
وإن التفاعل ليس من اثنين ، وكذا المغابنة على سبيل التجريد ، قال ابن عباس يوم التغابن من أسماء يوم القيامة ، وعنه قال : غبن أهل الجنة أهل النار . وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ أي من وقع منه التصديق مع العمل الصالح استحق تكفير سيئآته وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ قرأ الجمهور يكفر ويدخله بالتحتية وقرىء بالنون وفيه التفات من الغيبة إلى التكلم خالِدِينَ فِيها أَبَداً حال مقدرة فيه مراعاة معنى من ذلِكَ أي ما ذكر من التكفير والإدخال الْفَوْزُ الْعَظِيمُ أي الظفر الذي لا يساويه ظفر ، والعظيم أعلى حالا من الكبير الذي ذكر في سورة البروج ، لأن ما فيها قد رتب على إدخال الجنات فقط ، وما هنا قد رتب على الأمرين المذكورين ، فهو جامع للمصالح من دفع المضار وجلب المنافع . وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ خالِدِينَ فِيها وَبِئْسَ الْمَصِيرُ المراد بالآيات إما التنزيلية أو ما هو أعم منها ، ذكر سبحانه حال السعداء وحال الأشقياء هنا لبيان ما تقدم من التغابن ، وأنه يكون سبب التكفير وإدخال الجنة للطائفة الأولى ، وسبب إدخال الطائفة الثانية النار وخلودهم فيها . ما أَصابَ كل أحد مِنْ مُصِيبَةٍ من المصائب إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ أي بقضائه وقدره قال الفراء : أي بأمر اللّه وقيل : بعلم اللّه وقيل وسبب نزولها أن الكفار قالوا : لو كان ما عليه المسلمون حقا لصانهم اللّه عن المصائب في الدنيا ، قال ابن مسعود في الآية : هي المصيبات تصيب الرجل فيعلم أنها من عند اللّه فيسلم لها ويرضى وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ أي من يصدق ويعلم أنه لا يصيبه إلا ما قدره اللّه عليه يَهْدِ قَلْبَهُ للصبر والرضاء بالقضاء ، قال مقاتل بن حيان : يهد قلبه عند المصيبة فيعلن أنها من اللّه فيسلم لقضائه ، ويسترجع عند دخوله . وقال سعيد بن جبير : يهد قلبه عند المصيبة فيقول : إنا للّه وإنا إليه راجعون وقال الكلبي : هو إذا ابتلى صبر ، وإذا أنعم عليه شكر ، وإذا ظلم غفر . وقال ابن عباس في الآية : يعني يهد قلبه لليقين ، فيعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه ، وما أخطأه لم يكن ليصيبه . قرأ الجمهور يهد بفتح الياء وكسر الدال أي يهده اللّه وقرىء بضم الياء وفتح الدال على البناء للفعول ونهد بالنون ويهدأ بهمزة ساكنة ورفع قلبه أي يطمئن ويسكن وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ أي بليغ العلم لا تخفى عليه من ذلك خافية . وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ أي هونوا على أنفسكم المصائب واشتغلوا بطاعة اللّه وطاعة رسوله في جميع الأوقات ، والعمل بكتابه العزيز وسنة رسوله المطهرة فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ أي أعرضتم عن الطاعة فَإِنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ وليس عليه غير ذلك ، وقد فعل ، وجواب الشرط محذوف ، والتقدير فلا بأس أو فلا