صديق الحسيني القنوجي البخاري
112
فتح البيان في مقاصد القرآن
ضرر على الرسول ، وهذه الجملة تعليل للجواب المحذوف ، ثم أرشد إلى التوحيد والتوكل فقال : اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ أي هو المستحق للعبودية دون غيره فوحدوه ولا تشركوا به وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ أي فليفوضوا أموركم إليه ويعتمدوا عليه لا على غيره ، حث للرسول على التوكل على اللّه ، والتقوي به حتى ينصره على من كذبه ، وتولى عنه . [ سورة التغابن ( 64 ) : الآيات 14 إلى 18 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 14 ) إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ( 15 ) فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( 16 ) إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ ( 17 ) عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 18 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ يدخل فيها الذكر والأنثى وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ يعني أنهم يعادونكم ويشغلونكم عن الخير وعن طاعة اللّه ، أو يخاصمونكم في أمر الدين والدنيا ، ويدخل في ذلك سبب النزول دخولا أوليا فَاحْذَرُوهُمْ أن تطيعوهم في التخلف عن الخير كالجهاد والهجرة ، فإن سبب نزول الآية الإطاعة في ذلك ، والضمير يعود إلى العدو ، وإنما جاز جمع الضمير لأن العدو يطلق على الواحد والاثنين والجماعة ، أو إلى الأزواج والأولاد ، ولكن لا على العموم ، بل إلى المتصفين بالعداوة منهم ، قال مجاهد : واللّه ما عادوهم في الدنيا ولكن حملتهم مودتهم على أن اتخذوا لهم الحرام فأعطوهم إياه ، ثم أرشدهم إلى التجاوز فقال : وَإِنْ تَعْفُوا عن ذنوبهم التي ارتكبوها بترك المعاقبة وَتَصْفَحُوا بالإعراض وترك التثريب عليها وَتَغْفِرُوا بإخفائها وتمهيد معذرتهم فيها وتستروها فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ بالغ المغفرة والرحمة لكم ولهم يعاملكم بمثل ما عملتم ويتفضل عليكم . عن ابن عباس قال : « هؤلاء رجال أسلموا من أهل مكة وأرادوا أن يأتوا النبي صلى اللّه عليه وسلم فأبى أزواجهم وأولادهم أن يدعوهم إلى أن يأتوا النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فلما أتوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم رأوا الناس قد فقهوا في الدين ، فهموا أن يعاقبوهم ، فأنزل اللّه تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا الآية أخرجه الترمذي ، وقال : حديث حسن صحيح ، ثم أخبر سبحانه بأن الأموال والأولاد فتنة فقال : إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ أي بلاء واختبار وشغل عن الآخرة ومحنة ، يحملونكم على كسب الحرام وتناوله ، ومنع حق اللّه ، والوقوع في العظائم ، وغصب مال الغير ، وأكل الباطل ونحو ذلك ، فلا تطيعوهم في معصية اللّه ، ولم يذكر من هنا