صديق الحسيني القنوجي البخاري
91
فتح البيان في مقاصد القرآن
وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ بأن له شريكا ، وصاحبة ، وولدا وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ لما أحاط بهم من العذاب ، ولما شاهدوه من غضب اللّه ونقمته ، والجملة في محل النصب على الحال ، قال الأخفش تَرَى غير عامل في وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ إنما هو مبتدأ وخبره ، والأولى أن تَرَى إن كانت من الرؤية البصرية فجملة وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ حالية وإن كانت قلبية فهي مفعول ثان لترى . أَ لَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ الاستفهام لتقرير اسوداد وجههم ، وتعليل له ، كأنه قال : لأن لهم في جهنم مقرا ومقاما ، والكبر هو « بطر الحق وغمط الناس » « 1 » ، كما ثبت في الحديث الصحيح . وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا الشرك ومعاصي اللّه من جهنم متلبسين بِمَفازَتِهِمْ أي بمكان فوزهم من الجنة بأن يجعلوا فيه ، قرأ الجمهور بالإفراد على أنه مصدر ميمي والفوز الظفر بالخير ، والنجاة من الشر ، قال المبرد المفازة مفعلة من الفوز وهي السعادة ، وإن جمع فحسن كقولك : السعادة والسعادات . والمعنى ينجيهم اللّه بفوزهم ، أي بنجاتهم من النار ، وفوزهم بالجنة ، وقرىء بمفازاتهم جمع مفازة وجمعها مع كونها مصدرا لاختلاف الأنواع وقيل ثمّ مضاف محذوف ، والتقدير بدواعي مفازتهم أو أسبابها ، والمفازة المنجاة ، وقيل لا حاجة لذلك إذ المراد بالمفازة الفلاح . وجملة لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ مفسرة لمفازتهم كأنه قيل : وما مفازتهم ؟ فقيل لا يمسهم الخ أو منصوبة رد على الحال من الذين اتقوا ، وقيل الباء للسببية أي بسبب فوزهم مع انتفاء مساس السوء لهم ، وعدم وصول الحزن إلى قلوبهم ، لأنهم رضوا بثواب اللّه وأمنوا من عقابه . اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ من الأشياء الموجودة في الدنيا والآخرة ، كائنا ما كان ، من غير فرق بين شيء وشيء وفيه رد على المعتزلة والثنوية وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ أي الأشياء كلها موكولة إليه فهو القائم بحفظها وتدبيرها ، من غير مشارك له . لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جملة مستأنفة والمقاليد واحدها مقليد ومقلاد ،
--> ( 1 ) أخرجه بلفظ : « غمط الناس » أبو داود في اللباس باب 26 ، وأحمد في المسند 1 / 385 ، 427 ، وأخرجه بلفظ : « وغمص الناس » الترمذي في البر باب 61 ، وأحمد في المسند 4 / 134 ، 151 .