صديق الحسيني القنوجي البخاري
86
فتح البيان في مقاصد القرآن
ذنوب التائبين ، وزعموا أنهم قالوا ذلك للجمع بين الآيات فهو جمع بين الضب والنون وبين الملاح والحادي ، وعلى نفسها براقش تجني . ولو كانت هذه البشارة العظيمة مقيدة بالتوبة لم يكن لها كثير موقع فإن التوبة من المشرك يغفر اللّه له بها ما فعله من الشرك بإجماع المسلمين ، ولذا قال إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [ النساء : 48 ] فلو كانت التوبة قيدا في المغفرة لم يكن للتنصيص على الشرك فائدة ، وقد قال سبحانه وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ [ الرعد : 6 ] قال الواقدي المفسرون كلهم قالوا إن هذه الآية في قوم خافوا إن أسلموا أن لا يغفر لهم ما جنوا من الذنوب العظام كالشرك وقتل النفس ومعاداة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم . قلت : هب أنها في هؤلاء القوم فكان ماذا ؟ فإن الاعتبار بما اشتملت عليه من العموم ، لا بخصوص السبب ، كما هو متفق عليه بين أهل العلم ، ولو كانت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية مقيدة بأسبابها غير متجاوزة لها لارتفعت أكثر التكاليف عن الأمة ، إن لم ترتفع كلها واللازم باطل بالإجماع فالملزوم مثله وفي السنة المطهرة من الأحاديث الثابتة في الصحيحين وغيرهما في هذا الباب ما لو عرفه المطلع عليه حق معرفته وقدره حق قدره علم صحة ما ذكرناه ، وعرف حقيقة ما حررناه ، قاله الشوكاني . وعن ابن عمر قال : « كنا نقول ليس لمفتتن توبة وما اللّه بقابل منه شيئا عرفوا اللّه وآمنوا به وصدقوا رسوله ثم رجعوا عن ذلك لبلاء أصابهم ، وكانوا يقولونه لأنفسهم ، فلما قدم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم المدينة أنزل اللّه فيهم . قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا الآيات ، قال ابن عمر فكتبتها بيدي ثم بعثت بها إلى هشام بن العاصي . وعن أبي سعيد قال : « لما أسلم وحشي أنزل اللّه وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ [ الفرقان : 68 ] ، قال وحشي وأصحابه قد ارتكبنا هذا كله ، فأنزل اللّه قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا » الآية . وأخرج البخاري في الأدب المفرد عن أبي هريرة قال : « خرج النبي صلّى اللّه عليه وسلّم على رهط من أصحابه وهم يضحكون ويتحدثون ، فقال : والذي نفسي بيده لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا ثم انصرف وأبكى القوم ، وأوحى اللّه إليه يا محمد لم تقنط عبادي فرجع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال أبشروا وسددوا وقاربوا » « 1 » .
--> ( 1 ) روي الحديث : « فسددوا وقاربوا وأبشروا » بطرق وأسانيد متعددة ، أخرجه البخاري في الإيمان باب 29 ، والرقاق باب 18 ، والمرضى باب 19 ، ومسلم في المنافقين حديث 71 ، 76 ، 78 ، والبر حديث 52 ، وأبو داود في الصلاة باب 23 ، والترمذي في القدر باب 8 ، وتفسير سورة 24 ، وسورة 22 ، باب 1 ، والنسائي في الإيمان باب 28 ، وابن ماجة في الزهد باب 20 ، والدارمي في الرقاق -