صديق الحسيني القنوجي البخاري
78
فتح البيان في مقاصد القرآن
وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ أي دائم مستمر في الدار الآخرة ، وهو عذاب النار ، وهو مجاز في الطرف أو في الإسناد ، وأصله مقيم فيه صاحبه ، ثم لما كان يعظم على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إصرارهم على الكفر أخبره بأنه لم يكلف إلا بالبيان ، لا بأن يهدي من ضل فقال : [ سورة الزمر ( 39 ) : الآيات 41 إلى 43 ] إِنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ ( 41 ) اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ( 42 ) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعاءَ قُلْ أَ وَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ ( 43 ) إِنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ لِلنَّاسِ أي لأجلهم ، ولبيان ما كلفوا به فإنه مناط مصالحهم في معاشهم ومعادهم ، فهو للناس كافة ، لأن رسالتك كذلك بِالْحَقِّ حال من الفاعل أو المفعول ، أي محقين أو متلبسا بالحق فَمَنِ اهْتَدى طريق الحق وسلكها فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ عنها فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها أي على نفسه فضرر ذلك عليه لا يتعدى إلى غيره . وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ أي مكلف بهدايتهم مخاطب بها ، بل ليس عليك إلا البلاغ وقد فعلت ، وهذه الآيات منسوخة بآية السيف فقد أمر اللّه سبحانه رسوله بعد هذه أن يقاتلهم حتى يقولوا لا إله إلا اللّه ويعملوا بأحكام الإسلام ، ثم ذكر سبحانه نوعا من أنواع قدرته البالغة وصنعته العجيبة فقال : اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها أي يقبض الأرواح عند حضور آجالها ويخرجها من الأبدان وَ يتوفى الأنفس الَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها أي لم يحضر أجلها في منامها ، وقد اختلف في هذا فقيل : يقبضها عن التصرف مع بقاء الروح في الجسد ، وقال الفراء : المعنى ويقبض التي لم تمت ، عند انقضاء أجلها قال وقد يكون توفيها نومها فيكون التقدير على هذا ، والتي لم تمت وفاتها نومها ، قال الزجاج لكل إنسان نفسان إحداهما نفس التمييز وهي التي تفارقه إذا نام فلا يعقل ، والأخرى نفس الحياة إذا زالت زال معها النفس ، والنائم يتنفس قال القشيري في هذا بعد إذ المفهوم من الآية أن النفس المقبوضة في الحالين شيء واحد ولهذا قال : فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ فلا يردها إلى البدن . قرأ الجمهور قَضى مبنيا للفاعل أي قضى اللّه عليها الموت ، وقرىء على البناء للمفعول ، واختار أبو عبيدة وأبو حاتم الأولى لموافقتها لقوله اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ .