صديق الحسيني القنوجي البخاري
79
فتح البيان في مقاصد القرآن
وَيُرْسِلُ الْأُخْرى أي النائمة إلى بدنها عند اليقظة إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وهو الوقت المضروب لموته ، وهو غاية جنس الإرسال ، وقد قال بمثل قول الزجاج ابن الأنباري ، وقال سعيد بن جبير : إن اللّه يقبض أرواح الأموات إذا ماتوا وأرواح الأحياء إذا ناموا ، فتتعارف ما شاء اللّه أن تتعارف ، فيمسك التي قضي عليها الموت ، ويرسل الأخرى فيعيدها ، والأولى أن يقال : أن توفى الأنفس حال النوم بإزالة الإحساس ، وحصول الآفة به في محل الحس ، فيمسك التي قضى عليها الموت ، ولا يردها إلى الجسد الذي كانت فيه ، ويرسل الأخرى بأن يعيد عليها إحساسها . قيل : ومعنى يتوفى الأنفس عند موتها هو على حذف مضاف ، أي عند موت أجسادها ، وعن ابن عباس قال : نفس وروح بينهما مثل شعاع الشمس ، فيتوفى اللّه النفس في منامه ، ويدع الروح في جوفه يتقلب ويعيش ، فإن بدا له أن يقبضه قبض الروح فمات ، وإن أخر أجله رد النفس إلى مكانها من جوفه ، أخرجه ابن المنذر وابن أبي حاتم . وعنه قال : تلتقي أرواح الأحياء وأرواح الأموات في المنام ، فيتساءلون بينهم ما شاء اللّه ، ثم يمسك اللّه أرواح الأموات ويرسل أرواح الأحياء إلى أجسادها إلى أجل مسمى ، لا يغلط بشيء منها أخرجه عبد بن حميد وغيره ، وعنه أيضا في الآية قال : كل نفس لها سبب تجري فيه ، فإذا قضى عليه الموت نامت حتى ينقطع السبب ، والتي لم تمت في منامها تترك . وأخرج البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم « إذا أوى أحدكم إلى فراشه فلينفضه بداخلة إزاره فإنه لا يدري ما خلفه عليه ، ثم ليقل : باسمك ربي وضعت جنبي وباسمك أرفعه ، إن أمسكت نفسي فارحمها وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين » « 1 » . وقد اختلف العقلاء في النفس والروح هل هما شيء واحد ؟ أو شيئان والكلام في ذلك يطول جدا ، وهو معروف في الكتب الموضوعة لهذا الشأن والأظهر أنهما شيء واحد ، وهو الذي تدل عليه الآثار الصحاح . إِنَّ فِي ذلِكَ أي فيما تقدم من التوفي والإمساك والإرسال للنفوس لَآياتٍ عجيبة بديعة دالة على القدرة الباهرة ، ولكن ليس كون ذلك آيات يفهمه كل أحد بل لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ في ذلك ويتدبرونه ويستدلون به على توحيد اللّه ، وكمال قدرته ، فإن في هذا التوفي والإمساك والإرسال موعظة للمتعظين وتذكرة للمتذكرين .
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الدعوات باب 12 ، والتوحيد باب 13 ، ومسلم في الذكر حديث 62 ، وأبو داود في الأدب باب 98 ، والترمذي في الدعاء باب 20 ، وابن ماجة في الدعاء باب 15 ، والدارمي في الاستئذان باب 51 ، وأحمد في المسند 2 / 238 ، 295 ، 422 ، 432 .