صديق الحسيني القنوجي البخاري

63

فتح البيان في مقاصد القرآن

وقيل : يستمعون الرخص والعزائم فيتبعون العزائم ويتركون الرخص ، وقيل : يأخذون بالعفو ويتركون العقوبة ، وعن ابن عمر قال : كان سعيد بن زيد وأبو ذر وسلمان يتبعون في الجاهلية أحسن القول والكلام لا إله إلا اللّه قالوا بها ، فأنزل اللّه على نبيه يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ الآية ثم أثنى اللّه سبحانه على هؤلاء المذكورين فقال : أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ أي هم الذين أوصلهم إلى الحق ، وهم أصحاب العقول الصحيحة ، لأنهم الذين انتفعوا بعقولهم ، ولم ينتفع من عداهم بعقولهم ، وأخرج ابن مردويه عن أبي سعيد قال : « لما نزلت فَبَشِّرْ عِبادِ الَّذِينَ الآية أرسل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مناديا فنادى من مات لا يشرك باللّه شيئا دخل الجنة فاستقبل عمر الرسول فرده ، فقال يا رسول اللّه خشيت أن يتكل الناس فلا يعملون ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لو يعلم الناس قدر رحمة ربي لا تكلوا ، ولو يعلمون قدر سخط ربي وعقابه لاستصغروا أعمالهم » . وهذا الحديث أصله في الصحيح من حديث أبي هريرة . وفي الآية إشارة إلى إيثار الاتباع ، وترك التقليد ، لأن اللّه قد أثنى على المتبعين بكونهم مهديين ، وسماهم أولي الألباب ، ولم يثن على التقليد ولا على أهله في موضع من القرآن الكريم ، بل ذمه وذمهم في غير موضع كما تقدم مرارا ثم ذكر سبحانه من سبقت له الشقاوة وحرم السعادة فقال : أَ فَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ من هذه موصولة في محل رفع على الابتداء ، وخبرها محذوف ، أي كمن يخاف ، أو فأنت تخلصه أو تتأسف عليه شرطية وجوابه قوله : أَ فَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ فالفاء فاء الجواب ، دخلت على جملة الجزاء وأعيدت الهمزة الانكارية لتأكيد معنى الانكار ، وقال سيبويه إنه كرر الاستفهام لطول الكلام ، وقال الفراء المعنى أفأنت تنقذ من حقت عليه كلمة العذاب ؟ والمراد بها قوله تعالى لإبليس : لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ [ ص : 85 ] وقوله : لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ [ الأعراف : 18 ] وقيل قوله هؤلاء في النار ولا أبالي . ومعنى الآية التسلية لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لأنه كان حريصا على إيمان قومه فأعلمه اللّه أن من سبق عليه القضاء وحقت عليه كلمة اللّه لا يقدر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن ينقذه من النار ، بأن يجعله مؤمنا ، قال عطاء يريد أبا لهب وولده ومن تخلف من عشيرة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عن الإيمان . وفي الآية مجاز بإطلاق المسبب وإرادة السبب ، وتنبيه على أن المحكوم عليه بالعذاب بمنزلة الواقع في النار ، وأن اجتهاده في دعائهم إلى الإيمان سعي في إنقاذهم من النار ، وأصل الكلام : أفأنت تهدي من هو منغمس في الضلال ؟ فوضع النار موضع